منية كواش، صحفية مستقلّة.
مع كل عودة مدرسية، تتجدد في تونس صورة الفتاة وهي تلتحق بالمدرسة، ثم تواصل طريقها إلى المعهد فالجامعة، لتصبح الشهادة الجامعية جزءا متزايدا من المسار التعليمي للنساء. غير أن هذه الصورة المضيئة تخفي سؤالا أكثر تعقيدا: ماذا يحدث بعد الحصول على الشهادة؟ فالمعطيات المتاحة ترسم مفارقة واضحة بين تقدم الفتيات في التعليم واستمرار فجوة كبيرة بين النساء والرجال في سوق العمل.
تفوّق دراسي
الحضور المدرسي يكشف منذ المراحل الأولى عن مشاركة نسائية قوية. ففي السنة الدراسية 2024–2025 مثلت البنات 48.1% من مجموع تلاميذ التعليم الابتدائي العمومي، لترتفع نسبتهن إلى 55.6% في المرحلة الثانية من التعليم الأساسي والتعليم الثانوي. ولا يتعلق الأمر بمجرد حضور عددي، إذ تشير المعطيات المتاحة حول الانقطاع المدرسي إلى أن الفتيات أكثر قدرة على الاستمرار في المسار التعليمي من الفتيان، وخاصة في المرحلتين الإعدادية والثانوية.
التفوق الدراسي يبرز بصورة أوضح في الامتحانات الوطنية. ففي بكالوريا 2026 تصدرت فتيات ثلاث شعب من بين الشعب التي أعلنت نتائجها الوطنية، وكانت ياسمين اليعقوبي صاحبة أعلى معدل وطني، بـ20.01 من 20 في شعبة الرياضيات، بينما تصدرت ملكة الوحيشي شعبة العلوم التجريبية بمعدل 19.76، ورغد عشي شعبة الآداب بمعدل 17.29. كما تصدرت التلميذة تسنيم الشريف امتحان شهادة ختم التعليم الأساسي العام بمعدل 19.21 من 20.
التعليم العالي يعمق هذه الأفضلية. فحسب نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024، تبلغ نسبة الالتحاق بالتعليم العالي لدى الإناث في الفئة العمرية 19–24 سنة 46.7%، مقابل 26.1% لدى الذكور. كما تمثل النساء 57.4% من خريجي التعليم العالي. وتؤكد هذه الأرقام أن التفوق النسائي ليس ظاهرة مرتبطة بمرحلة دراسية معينة، بل مسار يمتد من المدرسة إلى الجامعة.
الاختصاصات الجامعية تكشف في المقابل أن التفوق العددي لا يعني مساواة كاملة داخل المنظومة نفسها. فالنساء أكثر حضورا بين خريجي الإجازة، كما يسجلن حضورا مهما في الماجستير، لكن الرجال يحتفظون بأفضلية واضحة في شهادات الهندسة. لذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بقدرة الفتيات على الوصول إلى الجامعة، وإنما أيضا بالاختيارات التعليمية والتخصصات التي تحدد لاحقا فرص الاندماج المهني.
تأنيث مهن التعليم
المرأة داخل المدرسة والجامعة تقدم بدورها صورة عن تأنيث متزايد لمهن التعليم. ففي المرحلة الأولى من التعليم الأساسي مثلت النساء نحو 70.7% من المدرسين سنة 2023، كما تجاوز حضورهن نصف الإطار المدرس في المرحلة الإعدادية والتعليم الثانوي. وفي التعليم العالي بلغ حضور النساء في صفوف المدرسين المباشرين كامل الوقت حوالي 55.9% خلال السنة الجامعية 2023–2024. وهكذا أصبحت المرأة ليست فقط تلميذة وطالبة، بل أيضا جزءا رئيسيا من الموارد البشرية التعليمية التي تنتج الأجيال الجديدة.
المفارقة الاقتصادية تبدأ بعد ذلك. فالمرأة التي تتقدم دراسيا لا تتمتع بالضرورة بالفرص نفسها عند دخول سوق العمل. وتكشف أحدث المعطيات أن معدل مشاركة النساء في قوة العمل لا يتجاوز 33.6%، مقابل 63.5% لدى الرجال، في حين تبلغ نسبة تشغيل النساء 25.3% مقابل 55.1% لدى الرجال. والأكثر دلالة أن بطالة حاملي الشهادات العليا بلغت في الثلاثي الثاني من سنة 2026 نحو 35.6% لدى النساء، مقابل 14.2% لدى الرجال.
التفوق الدراسي لا ينعكس في سوق الشغل
الفجوة بين الشهادة والعمل تجعل النجاح التعليمي النسائي مكسبا غير مكتمل. فالجامعة تفتح أبوابها للفتيات بصورة أكبر، والشهادات أصبحت في أيدي النساء بنسبة تفوق الرجال، لكن الانتقال من الرصيد التعليمي إلى الاستقلال الاقتصادي لا يتم بالسهولة نفسها. ويعني ذلك أن المشكلة لم تعد، في جانب أساسي منها، مشكلة نفاذ الفتاة إلى التعليم، بل قدرة الاقتصاد والمجتمع والسياسات العمومية على تحويل هذا الاستثمار التعليمي إلى فرص عمل لائقة ومستقرة.
المفارقة التاريخية تظهر أيضا عندما ننظر إلى الأمية. فمعدل الأمية لدى النساء ما يزال أعلى بكثير من الرجال: 22.3% مقابل 12% وفق تعداد 2024. ويعكس ذلك أثر الفوارق التي عرفتها أجيال سابقة، في الوقت الذي تحقق فيه الأجيال الشابة تقدما تعليميا كبيرا. لذلك لا يمكن قراءة الواقع التعليمي للنساء من خلال صورة واحدة؛ فهناك في الوقت نفسه جيل نسائي شاب أكثر تعليما، ومخزون من الأمية يظل أكثر تركّزا بين النساء الأكبر سنا.
العودة المدرسية إذن ليست مجرد موعد إداري لاستئناف الدروس، وإنما مناسبة لإعادة النظر في وظيفة التعليم نفسه. فقد نجحت تونس بدرجة كبيرة في جعل المدرسة والجامعة فضاءين لتقدم الفتيات، لكن التحدي التالي هو ضمان ألا تتوقف المساواة عند بوابة الجامعة. فحين تصبح المرأة أغلبية بين خريجي التعليم العالي، بينما تظل مشاركتها الاقتصادية أدنى بكثير من مشاركة الرجال، فإن السؤال ينتقل من «هل تتعلم الفتاة؟» إلى «ماذا تمنحها الشهادة بعد التخرج؟».
المطلوب اليوم ليس فقط مزيد دعم نجاح الفتيات في الدراسة، وهو مكسب ينبغي المحافظة عليه، بل بناء جسور أقوى بين التعليم والتشغيل، ومراجعة الفوارق في التخصصات، وتحسين الانتقال من الجامعة إلى الحياة المهنية، ومقاومة العوائق الاجتماعية والاقتصادية التي تحول دون مشاركة النساء في العمل. فالهدف الحقيقي للمساواة لا ينبغي أن يكون أن تتفوق الفتاة في الامتحان فحسب، وإنما أن تجد بعد ذلك المكانة والفرصة والدخل والاستقلال الاقتصادي التي يتناسب معها هذا التفوق.

✍️ منية كواش

