منية كواش، صحفية مستقلة.
تتجه وزارة الشؤون الثقافية خلال المرحلة الحالية إلى إعادة ترتيب سياستها في مجال الفنون التشكيلية ضمن رؤية تجمع بين دعم الفنانين، وحماية الرصيد الفني الوطني، وتطوير فضاءات العرض، وتعزيز اللامركزية الثقافية، والانفتاح على المحيط الدولي. ويكشف اجتماع وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي يوم 2 سبتمبر 2026 أن الوزارة تعود إلى هذا القطاع من زاوية تتجاوز تنظيم المعارض والتظاهرات، لتطرح في الوقت نفسه مسائل التشريع، والترويج، وتطوير النقد الفني، وإتاحة الرصيد العمومي للجمهور في الجهات.
دعم الفنان والإبداع وتطوير منظومة المساندة
يمثل دعم الفنانين أحد المداخل الأساسية للسياسة العمومية في القطاع. وقد اعتمدت الوزارة تاريخيا الاقتناء العمومي للأعمال الفنية باعتباره آلية لدعم الإبداع، إلى جانب منح المساندة وتنظيم التظاهرات والمشاركة فيها. لكن التجربة أظهرت الحاجة إلى تطوير هذه المنظومة حتى لا يظل الاقتناء الآلية الرئيسية للدعم.
وقد اتجهت الخطط السابقة إلى مراجعة حوكمة منظومة الدعم، وتنظيم عمل لجان شراء الأعمال الفنية، وتحسين التصرف في الرصيد الوطني من حيث الاقتناء والاستغلال. كما طُرحت آليات أخرى مثل المسابقات الوطنية، والمساعدة على الترويج، ودعم المواد والمبادرات الفنية المتميزة.
ويكتسب هذا المسار بعدًا جديدًا بعد صدور قانون الفنان والمهن الفنية سنة 2026، الذي وضع إطارًا قانونيًا عامًا للفنانين وتقنيي وإداريي الأنشطة الفنية، وربط تنظيم المهن الفنية بتحسين الوضع القانوني والمهني والاجتماعي للعاملين فيها وتعزيز إشعاع الفنان التونسي داخليا وخارجيا.
حماية الرصيد الوطني للفنون التشكيلية
يمثل الرصيد العمومي أحد أكبر الملفات التي تراكمت داخل القطاع. فالسياسة الجديدة لا تتعامل مع الأعمال المقتناة باعتبارها مجرد مجموعة من اللوحات المخزنة، بل باعتبارها جزءًا من الذاكرة البصرية الوطنية ينبغي جرده وفهرسته ورقمنته وترميمه وإتاحته.
ويحدد مخطط التنمية 2026–2030، في قسم السياسات التنموية المتعلّقة بالشؤون الثقافية هدفًا واسعًا يتمثل في إنقاذ أكثر من 14 ألف عمل فني من خلال الجرد والفهرسة والرقمنة والترميم وفق المعايير العلمية الدولية. ويستهدف البرنامج معالجة نحو 8000 عمل فني في أفق 2030، مقابل 5000 عمل سنة 2025.
ويشمل هذا التوجه أيضًا إنشاء سجل رقمي وطني للأعمال والمصنفات الفنية، يجمع البيانات الأساسية الخاصة بكل عمل ويربطها بمنصات رقمية معتمدة. وبذلك تنتقل إدارة الرصيد الفني من منطق الحفظ المادي وحده إلى منظومة متكاملة للتوثيق والإتاحة والاستغلال الثقافي.
من التخزين إلى إتاحة الرصيد للجمهور
لا تقتصر المسألة على حماية الأعمال داخل المخازن. فالخبر الأخير عن تنظيم معارض دورية لمقتنيات الوزارة في مختلف الولايات يعكس تحولًا مهمًا: تحويل الرصيد العمومي إلى مورد ثقافي متاح للجمهور.
ويعيد هذا التوجه إحياء فكرة قديمة ظهرت في سياسات الوزارة حول عرض مقتنيات الدولة والتعريف بها، لكنها تكتسب اليوم بعدًا جهويًا أوضح. فإخراج الأعمال من مخازنها وعرضها في الجهات يمكن أن يحقق وظيفتين في آن واحد: تثمين الرصيد الوطني، وتقليص الفجوة بين العاصمة والجهات في الانتفاع بالفنون التشكيلية.
وهذا يندرج في صميم مبدأ اللامركزية الثقافية الذي جعلته السياسات الثقافية المتعاقبة أحد محاورها الأساسية، من خلال تقريب الخدمات والأنشطة الفنية من مختلف الفئات والمناطق.
تطوير فضاءات العرض وبناء شبكة وطنية
ارتبط تطور الحركة التشكيلية التونسية تاريخيًا بتوسع الأروقة والفضاءات الخاصة والعامة. وقد أكدت الخطط السابقة ضرورة إحداث أروقة للفنون التشكيلية والتدرج في تعميمها على مختلف الولايات.
كما دعت السياسات الثقافية إلى بناء شراكات مع الأروقة الخاصة والفضاءات الثقافية، بما يسمح بتوسيع دائرة العرض وتوفير فرص أكبر للفنانين.
ويظهر هذا التوجه حاليًا في الصالون الوطني للفنون التشكيلية الذي يجمع فنانين من مختلف الولايات، وفي تنظيم التظاهرات الجهوية والدولية، بما يفتح فضاءات العرض الوطنية أمام تجارب فنية متعددة ويعزز حضور الجهات داخل المشهد التشكيلي الوطني.
اللامركزية الثقافية وإعادة توزيع الفرص
تحتل اللامركزية موقعًا متقدمًا في السياسة الجديدة. فالهدف لم يعد مجرد نقل بعض المعارض من العاصمة إلى الجهات، بل إتاحة فرص أكثر توازنًا للفنانين والجمهور على حد سواء.
ويعني ذلك دعم حضور الفنانين القادمين من مختلف الولايات في المعارض الوطنية، وتنظيم تظاهرات جهوية، وإقامة معارض لمقتنيات الدولة في الجهات، وتطوير البنية الثقافية القادرة على استقبال الفنون التشكيلية.
ويعكس الصالون الوطني للفنون التشكيلية لسنة 2026 هذا المنطق بوضوح، إذ جمع أعمالًا من مختلف الولايات والاختصاصات، من الرسم والنحت إلى الخزف والحفر والتنصيبات والتصوير الفوتوغرافي.
بناء سوق للفن التشكيلي
يتجاوز التصور الوزاري مسألة الدعم العمومي نحو محاولة بناء سوق فنية تونسية أكثر انتظامًا. وقد نص المخطط الثلاثي 2023–2025 على مراجعة التشريعات بما يسمح بحرية أكبر في تنقل الأعمال الفنية التشكيلية خارج البلاد، وإحداث سجل تجاري خاص ببيع الأعمال الفنية، وتشجيع المؤسسات العمومية والخاصة على اقتناء الأعمال.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة لأن تطور الفن التشكيلي لا يمكن أن يعتمد بصورة دائمة على ميزانية الدولة. فوجود سوق فنية يعني تطوير أدوار الأروقة، والمقتنين، والمؤسسات البنكية والاقتصادية، والقطاع الخاص، والمعارض، وآليات الترويج والتصدير.
كما يندرج هذا التوجه ضمن رؤية أوسع تعتبر الصناعات الثقافية والإبداعية مجالًا اقتصاديًا قابلًا للاستثمار، وهو ما يعززه مخطط التنمية 2026–2030 الذي يهدف إلى رفع مساهمة الثقافة في الناتج المحلي وإسناد المشاريع الثقافية بآليات تمويل واستثمار جديدة.
مراجعة التشريعات ومواكبة تحولات القطاع
تعود مسألة التشريع بقوة في اجتماع 2 سبتمبر 2026. وهي ليست مسألة جديدة؛ فقد تضمنت الخطط السابقة مراجعة النصوص المنظمة للقطاع بهدف إزالة العوائق أمام الفنانين والأعمال الفنية.
وتشمل الحاجة التشريعية اليوم قضايا متعددة، من بينها تنظيم المهنة، وحقوق الفنان، وتنقل الأعمال، والبيع والاقتناء، وحقوق الملكية الفكرية، والتعامل مع التحولات الرقمية.
ويأتي قانون الفنان والمهن الفنية الصادر في ماي 2026 ليشكل جزءًا من هذا الإطار الإصلاحي العام، فيما تظل الحاجة قائمة إلى ملاءمة النصوص الخاصة بالفنون التشكيلية مع التطورات التي عرفها القطاع وسوق الفن والتكنولوجيات الرقمية.
النقد الفني والتوثيق واستعادة مجلة «بانوراما»
يمثل التفكير في إعادة إصدار مجلة «بانوراما» المتخصصة في الفنون التشكيلية بعدًا يتجاوز الجانب الإعلامي. فالقطاع التشكيلي يحتاج إلى فضاء يوثق أعمال الفنانين وتجاربهم، ويواكب الحركة الفنية، ويتيح للنقاد والباحثين والفنانين الحوار حول الاتجاهات والمدارس والتجارب الجديدة.
وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في ظل التحول السريع في الفنون البصرية، وتداخل الرسم والنحت والتصوير والتنصيبات والفيديو والفنون الرقمية. كما أن توثيق التجارب يمثل جزءًا من حفظ الذاكرة الفنية الوطنية، وليس مجرد نشاط صحفي دوري.
الحضور الدولي والدبلوماسية الثقافية
يضع اجتماع سبتمبر 2026 الحضور الدولي للفنانين التشكيليين في صلب الأولويات، من خلال مشاركة تونس في المعارض والتظاهرات الدولية، والتعريف بالإنتاج التشكيلي التونسي، وفتح المجال أمام الفنانين للمشاركة في المحافل الخارجية.
ويمتد هذا التوجه إلى سياسة أقدم في مجال الدبلوماسية الثقافية، تقوم على جعل المشاركات الدولية وسيلة للتعريف بالثقافة التونسية وبناء الشراكات والشبكات المهنية.
لكن الرهان الجديد يتمثل في الانتقال من المشاركة الرمزية في التظاهرات إلى بناء حضور منتظم للفن التشكيلي التونسي داخل شبكات العرض والتبادل الدولية، وربط ذلك بتطوير السوق وإمكانيات تصدير الأعمال الفنية.
الرقمنة والفنون البصرية الجديدة
لم تعد السياسة التشكيلية منفصلة عن التحولات الرقمية. فمخطط 2026–2030 يعتبر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية عوامل تغير عميق في الصناعات الثقافية والإبداعية، بما فيها الفنون البصرية.
ومن هنا تصبح رقمنة الرصيد التشكيلي وسيلة للحفظ والتوثيق والإتاحة، لكنها يمكن أن تتحول أيضًا إلى أداة للتعريف بالفنانين والأعمال عالميًا.
كما أن تطور الممارسات الفنية نفسها يفرض توسيع مفهوم الفنون التشكيلية ليشمل الأشكال المعاصرة والرقمية، بما ينسجم مع التحولات التي عرفها المشهد الفني التونسي خلال العقود الأخيرة.
التكوين والترميم وحماية المهن المتخصصة
يشكو القطاع من نقص مزمن في الموارد البشرية المتخصصة في حفظ اللوحات وترميمها وصيانة الرصيد الفني. ولذلك ارتبطت سياسة حماية المجموعات الفنية بالحاجة إلى تكوين فنيين وخبراء في الاختصاصات الدقيقة.
وهذا الجانب يكتسب أهمية أكبر مع البرنامج الجديد لإنقاذ آلاف الأعمال الفنية. فالجرد والرقمنة لا يكفيان إذا لم يترافقا مع ترميم الأعمال وحفظها في ظروف ملائمة، وتوفير الكفاءات القادرة على صيانتها وفق المعايير العلمية.
نحو سياسة متكاملة للفنون التشكيلية
تكشف المقارنة بين مختلف الخطط والقرارات أن سياسة الدولة في الفنون التشكيلية تمر تدريجيًا من منطق متفرق يقوم على الاقتناء والتظاهرات والدعم، إلى تصور أكثر تركيبًا يجمع بين خمسة أبعاد مترابطة: دعم الفنان، حماية الرصيد، تنمية السوق، اللامركزية، والإشعاع الدولي.
ويضاف إلى ذلك بعدا سادسا أصبح أكثر حضورًا، هو الرقمنة، بما تشمله من توثيق وإتاحة واستعمال التكنولوجيا في حفظ الذاكرة الفنية والتعريف بها.
لا يبدو اجتماع 2 سبتمبر 2026، مجرد اجتماع ظرفي حول عدد من الملفات، بل يمثل لحظة لإعادة تجميع عناصر سياسة تراكمت منذ سنوات وتبلورت مع اعتماد مخطط التنمية 2026-2030. الجديد فيه هو محاولة الربط بين هذه العناصر ضمن رؤية واحدة: الفنان يحتاج إلى إطار قانوني ودعم ومساحات عرض؛ والعمل الفني يحتاج إلى سوق وترويج؛ والرصيد الوطني يحتاج إلى جرد وترميم ورقمنة؛ والجمهور في الجهات يحتاج إلى الوصول إلى الأعمال؛ والفن التونسي يحتاج إلى حضور أكثر انتظامًا في الخارج.
ويبقى التحدي الأساسي هو الانتقال من الخطط والبرامج إلى التنفيذ القابل إلى تجسيم الأهداف، خصوصًا في ما يتعلق بإنقاذ الرصيد الوطني، وتعميم العرض في الجهات، وتطوير السوق الفنية، وتوفير الموارد البشرية المتخصصة، وتحويل الرقمنة من مشروع تقني إلى وسيلة فعلية لإتاحة الفن التونسي وتعزيز إشعاعه.

✍️ منية كواش

