الرئيسيةأخبار«أين نحن من المساواة؟» — ندوة دولية في تونس تفتح ملف سبعين...

«أين نحن من المساواة؟» — ندوة دولية في تونس تفتح ملف سبعين عاماً من مجلة الأحوال الشخصية

تغطية منية كواش

احتضنت تونس يومي 12 و13 أوت 2026 ندوة دولية نظمتها الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات تحت عنوان «70 سنة من مجلة الأحوال الشخصية: أين نحن من المساواة؟»، وذلك بالتزامن مع الذكرى السبعين لصدور مجلة الأحوال الشخصية والعيد الوطني للمرأة الذي تحتفل به تونس يوم 13 أوت من كل عام. وخصصت الندوة لتقييم مسار الإصلاح التشريعي المتعلق بالمرأة والأسرة منذ صدور المجلة سنة 1956، ومناقشة ما تحقق من مكاسب وما بقي من أحكام تعتبرها الحركة النسوية تمييزية، إلى جانب بحث آفاق الإصلاح المقبلة.

سبعون عاماً على مجلة الأحوال الشخصية

اختارت الجمعية هذه المناسبة لإعادة طرح السؤال حول المسافة التي قطعتها تونس منذ الإصلاح التشريعي الذي أحدث تحولا عميقا في تنظيم العلاقات الأسرية. فقد شكلت مجلة الأحوال الشخصية، منذ صدورها سنة 1956، إحدى أبرز محطات بناء الدولة الحديثة في تونس، خاصة من خلال إلغاء تعدد الزوجات وإقرار الطلاق أمام القضاء وتنظيم الزواج والأسرة ضمن إطار قانوني موحد.

وأكدت رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات رجاء الدهماني أن المجلة تمثل أحد أبرز الإصلاحات القانونية في المنطقة العربية في مجال حقوق المرأة والأسرة، معتبرة أن إلغاء تعدد الزوجات وإقرار الطلاق القضائي أسهما في تغيير عميق للعلاقات الأسرية وفي تعزيز مكانة المرأة كمواطنة صاحبة حقوق.

لكن الندوة لم تكتف باستعادة الجانب التاريخي للمجلة، بل جعلت من الذكرى السبعين مناسبة لطرح سؤال أكثر راهنية: هل تكفي الإصلاحات التي أدخلت على مجلة الأحوال الشخصية لتحقيق المساواة الفعلية بين النساء والرجال؟

من حماية المكتسبات إلى المطالبة بإصلاحات جديدة

اتجه النقاش خلال الندوة إلى التمييز بين المكاسب التي ينبغي حمايتها وبين الأحكام التي ترى الجمعية أنها لم تعد تستجيب لمبدأ المساواة.

وأكدت رجاء الدهماني تمسك الجمعية بالمكتسبات التي جاءت بها مجلة الأحوال الشخصية، لكنها شددت في المقابل على ضرورة مراجعة بعض أحكامها التي ما تزال، وفق تقدير الجمعية، تتضمن تمييزاً بين الجنسين. وتأتي في مقدمة هذه الملفات المساواة في الميراث، وهي قضية تقول الجمعية إنها تطرحها منذ تأسيسها وتسعى إلى إقرار تشريع يكرس المساواة بين النساء والرجال فيها.

وربطت الدهماني مسألة الميراث أيضاً بالواقع الاقتصادي والاجتماعي للنساء، ولا سيما النساء الفقيرات والمهمشات وفي المناطق الداخلية، مشيرة إلى أن عدم المساواة في الميراث يمكن أن يؤثر في قدرة النساء على امتلاك الأراضي والنفاذ إلى الموارد، بما يعمق هشاشتهن الاقتصادية.

كما طرحت الجمعية مسألة رئاسة الأسرة، التي ما تزال تسند في المجلة إلى الرجل، باعتبارها من مظاهر عدم التكافؤ التي تستوجب المراجعة. وربطت الدهماني هذا الجانب بما يصل إلى مراكز الإنصات والتوجيه التابعة للجمعية من شكاوى تتعلق بالعنف الزوجي، معتبرة أن استمرار بعض العلاقات غير المتوازنة داخل الأسرة يكشف حدود المساواة القانونية عندما لا ترافقها مساواة فعلية في العلاقات الأسرية.

مراجعة شاملة لا تنقيحات جزئية

ومن أبرز الأفكار التي طرحتها الندوة أن الإصلاحات التي أدخلت على مجلة الأحوال الشخصية خلال العقود الماضية لم تكن، في نظر بعض المشاركات، مراجعة شاملة للمنظومة الأسرية.

وقالت المحامية وعضوة الجمعية يسرى دعلول إن المجلة كانت رائدة عند صدورها، لكنها اعتبرت أن مسار تطويرها عرف لاحقاً «بطئاً كبيراً»، وأن التنقيحات المتتالية تناولت في الغالب قضايا محددة دون مراجعة متكاملة لأحكام المجلة في ضوء التحولات التي عرفها المجتمع التونسي.

وأشارت دعلول إلى استمرار بعض المظاهر التي اعتبرتها انعكاساً للنظام الأبوي، من بينها إسناد رئاسة الأسرة إلى الزوج، وبعض جوانب الولاية والحضانة، معتبرة أن تحقيق المساواة الفعلية يحتاج إلى مراجعة تقوم على المبادئ الدستورية للحقوق والمساواة.

وفي هذا السياق، قدمت الندوة المساواة باعتبارها مسألة تتجاوز النصوص القانونية إلى توزيع السلطة والموارد داخل الأسرة والمجتمع، بما يشمل الملكية والعمل والمشاركة في اتخاذ القرار.

المساواة الاقتصادية: الأرض نموذجاً

حضر البعد الاقتصادي بقوة في النقاش، خصوصاً في علاقة بحقوق الملكية والميراث.

وأشارت يسرى دعلول إلى معطيات التعداد الأخير للسكان التي قالت إنها تظهر استحواذ الرجال على نحو 90 بالمائة من ملكية الأراضي، مقابل حضور واسع للنساء في العمل الفلاحي. وقدمت هذه المفارقة باعتبارها مثالاً على الفجوة بين مساهمة النساء الاقتصادية وبين امتلاكهن للموارد والأصول.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في المناطق الريفية، حيث يمكن أن تكون ملكية الأرض عاملاً حاسماً في الاستقلال الاقتصادي وفي القدرة على ممارسة النشاط الفلاحي والوصول إلى التمويل والموارد.

وبذلك وسعت الندوة مفهوم المساواة من الحقوق الأسرية بالمعنى الضيق إلى المساواة في الوصول إلى الثروة والملكية والموارد الاقتصادية.

قراءة اجتماعية: ماذا غيرت المجلة في الأسرة التونسية؟

لم يكن النقاش في الندوة مقتصراً على الطابع القانوني، فقد قدمت أستاذة علم الاجتماع والخبيرة في الدراسات النسوية درة محفوظ قراءة للآثار الاجتماعية التي أحدثتها مجلة الأحوال الشخصية والإصلاحات التي تلت صدورها.

واعتبرت محفوظ أن المجلة ساهمت في تعزيز الاستقرار داخل الأسرة وفي تطوير العلاقات الأسرية والتنشئة الاجتماعية، كما ساعدت الإصلاحات اللاحقة المرأة على اكتساب مزيد من الحقوق والكرامة والمكانة داخل الأسرة والمجتمع.

وأشارت إلى أن مشاركة المرأة في الإنفاق الأسري أصبحت واقعاً، وقدرت مساهمة عمل النساء بما بين 30 و40 بالمائة من دخل الأسرة، فضلاً عن العمل المنزلي غير المدفوع الذي تؤديه النساء. واعتبرت أن هذه التحولات الاجتماعية تفرض تطوير النصوص القانونية بما يتلاءم مع الواقع الجديد للأسرة التونسية.

وفي المقابل، رفضت محفوظ تفسير ارتفاع حالات الطلاق باعتباره مؤشراً آلياً على تفكك الأسرة، مستندة إلى معطيات رسمية قالت إنها لا تدعم هذا الطرح، وقدمت الطلاق باعتباره جزءاً من التحولات التي عرفتها العلاقات الأسرية الحديثة.

«المساواة في الميراث» تعود إلى الواجهة

احتلت قضية الميراث موقعاً مركزياً في الندوة، ليس فقط باعتبارها مطلباً تاريخياً للجمعية، وإنما باعتبارها اختباراً للحدود التي يمكن أن تصل إليها المساواة القانونية في تونس.

وأكدت رجاء الدهماني أن الجمعية ستواصل طرح مسألة المساواة في الميراث والدفع نحو إقرار قانون في هذا الاتجاه، معتبرة أن استمرار التمييز في هذا المجال يتعارض مع مبدأ المساواة الذي تنادي به الجمعية.

وتكشف إعادة طرح الملف في الذكرى السبعين للمجلة عن رغبة الحركة النسوية في الانتقال من الاحتفاء بالإصلاحات التاريخية إلى مساءلة ما تعتبره المرحلة الثانية من الإصلاح: أي مراجعة الأحكام التي بقيت خارج مسار المساواة الكاملة.

نحو «إعلان تونس للمساواة داخل الأسرة»

ولم تقتصر الندوة على النقاش النظري، إذ كان من المنتظر أن تتوج أشغالها بإعداد «إعلان تونس للمساواة داخل الأسرة»، على أن يتم توقيعه يوم الخميس 13 أوت، بالتزامن مع الذكرى السبعين لصدور مجلة الأحوال الشخصية.

ويمنح هذا الإعلان للندوة بعداً يتجاوز المناسبة الرمزية، باعتباره محاولة لتحويل النقاش حول المساواة إلى وثيقة تتضمن مواقف ومطالب مشتركة بشأن مستقبل التشريع الأسري.

كما يعكس اختيار «المساواة داخل الأسرة» عنواناً عملياً للوثيقة التركيز على المجال الذي شكل منذ 1956 جوهر تجربة مجلة الأحوال الشخصية، مع محاولة إعادة تعريف العلاقة بين أفراد الأسرة على أساس الشراكة وتقاسم المسؤوليات والحقوق.

مشاركة حقوقية ومدنية ودولية

انعقدت الندوة بمشاركة حقوقيات ومحاميات وناشطات من تونس وعدد من الدول العربية والإقليمية، إلى جانب ممثلين عن المجتمع المدني وخبراء وأساتذة قانون وباحثات. ونظمت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات التظاهرة بالشراكة مع منظمة نوفاك، وجمعية التضامن المدني، ومؤسسة هاينريش بول، ومنظمة محامون بلا حدود، وبدعم من سفارة هولندا بتونس.

وتعطي هذه التركيبة للقاء طابعاً إقليمياً، إذ لم يُطرح مستقبل التشريع الأسري التونسي باعتباره شأناً محلياً فقط، وإنما ضمن نقاش أوسع حول مسار الإصلاحات النسوية والحقوقية في المنطقة العربية.

مجلة الأحوال الشخصية من إصلاح 1956 إلى سؤال 2026

صدرت مجلة الأحوال الشخصية في تونس سنة 1956، في سياق بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال، وأصبحت منذ ذلك التاريخ إحدى أهم ركائز المنظومة القانونية المنظمة للأسرة.

وقد مثلت أحكامها المتعلقة بمنع تعدد الزوجات وتنظيم الطلاق أمام القضاء نقطة تحول في النظام الأسري التونسي. ثم تواصل إدخال تعديلات على المجلة خلال العقود التالية، بما جعلها نصاً تشريعياً تطور تدريجياً مع التحولات الاجتماعية.

لكن مرور سبعين عاماً على صدورها أعاد إلى الواجهة سؤالاً مختلفاً عن السؤال الذي كان مطروحاً في خمسينات القرن الماضي. فلم يعد النقاش يتعلق فقط بإلغاء بعض الممارسات التقليدية، بل بمدى قدرة التشريع على تحقيق المساواة الفعلية بين النساء والرجال في الأسرة والملكية والموارد والسلطة واتخاذ القرار.

ومن هذه الزاوية، تبدو عبارة «أين نحن من المساواة؟» التي اختارتها الجمعية عنواناً للندوة أكثر من مجرد عنوان احتفالي؛ فهي تلخص انتقال النقاش من الاحتفاء بمجلة الأحوال الشخصية باعتبارها مكسباً تاريخياً إلى مساءلة حدودها بعد سبعة عقود.

موجة جديدة من الإصلاحات

تكشف أشغال الندوة أن الذكرى السبعين لمجلة الأحوال الشخصية استُخدمت لإعادة ترتيب النقاش حول حقوق المرأة في تونس على محورين متلازمين: الأول هو حماية ما تعتبره الحركة النسوية مكاسب تاريخية، والثاني هو استكمال الإصلاح في المجالات التي ما تزال تشهد تمييزاً.

وفي هذا التصور، لا تمثل مجلة الأحوال الشخصية وثيقة قانونية جامدة، بل مساراً إصلاحياً بدأ سنة 1956 وتواصل عبر تعديلات متعددة، لكنه، بحسب المتدخلات في الندوة، لم يصل بعد إلى مساواة كاملة داخل الأسرة.

ويأتي توقيع «إعلان تونس للمساواة داخل الأسرة» في 13 أوت ليمنح الذكرى السبعين بعداً سياسياً وحقوقياً، ويضع أمام النقاش العام مجموعة من الملفات، وفي مقدمتها الميراث ورئاسة الأسرة والولاية والحضانة، فضلاً عن المساواة الاقتصادية والاجتماعية.

وهكذا تحولت ندوة «أين نحن من المساواة؟» إلى مناسبة لمراجعة سبعين سنة من التشريع الأسري التونسي، ولكن أيضاً لطرح سؤال المرحلة المقبلة: هل تظل مجلة الأحوال الشخصية رمزاً للإصلاح التاريخي فحسب، أم تصبح منطلقاً لموجة جديدة من الإصلاحات التي تستهدف تحقيق المساواة الفعلية داخل الأسرة والمجتمع؟

(ملاحظة:تم توظيف الذكاء الاصطناعي في بعض مقاطع الموضوع)

✍️ منية كواش

spot_img

أبرز التصنيفات