بعيدا عن مهرجاني قرطاج والحمامات، اللذين يستأثران عادة بالنصيب الأكبر من الاهتمام الإعلامي خلال الصيف، تتوزع في مختلف الجهات التونسية مهرجانات وتظاهرات ثقافية وفنية تحاول أن تصنع لنفسها مكانا في المشهد الصيفي. وبينما اختارت بعض هذه المواعيد المحافظة على تقاليدها وبرمجتها السنوية، اتجهت أخرى إلى تجديد مضامينها أو استحداث تظاهرات تستهدف جمهورا بعينه، وخاصة الشباب.
وتكشف خارطة صيف 2026 أن النشاط المهرجاني لا يتوقف عند المدن الكبرى أو المناطق السياحية، بل يمتد إلى القصرين والكاف وسيدي بوزيد وباجة وقبلي وصفاقس وسواها، مع حضور لافت لتظاهرات تستند إلى الذاكرة المحلية والتراث أو تبحث عن جمهور جديد.
سبيطلة: من العبادلة إلى مهرجان الراب
تقدم سبيطلة هذا الصيف نموذجا واضحا لهذا التنوع. فقد احتضنت المدينة الدورة الخامسة والأربعين لمهرجان العبادلة الدولي، التي تمتد من 24 جويلية إلى 22 أوت 2026. وافتتحت الدورة بعرض فرجوي موسيقي بعنوان «طرڨ وبرڨ»، وهو عمل يستحضر ذاكرة الجبال المغاربية، بما يربط النشاط الفني بالخصوصية التاريخية والجغرافية للمنطقة.
لكن الجديد في المشهد السبيطلي هذا العام تمثل في إطلاق الدورة التأسيسية للمهرجان الدولي للراب، الذي انطلق في 8 أوت ويتواصل إلى 14 أوت. وقد اختار منظموه موقع سبيطلة الأثري فضاء للتظاهرة، في محاولة للجمع بين رمزية الموقع التاريخي وتعبير موسيقي معاصر يستقطب الشباب.
وكان الفنان بلطي قد افتتح المهرجان وسط حضور جماهيري كبير، فيما تواصلت البرمجة بعروض لأسماء من مشهد الراب التونسي والدولي. وتمنح هذه التجربة سبيطلة خصوصية إضافية، إذ لا تكتفي بوجود مهرجان صيفي تقليدي، وإنما تضيف إليه موعدا فنيا موجها بوضوح إلى جمهور شاب.
الكاف: مهرجان عريق يحافظ على موعده
في الكاف، يواصل مهرجان بومخلوف الدولي حضوره ضمن المواعيد الصيفية الجهوية، مستندا إلى تاريخ طويل وإلى ارتباط التظاهرة بالمدينة وجمهورها. وتجمع برمجته بين الموسيقى والعروض الفنية والكوميديا، بما يعكس طبيعة المهرجانات الجهوية التي تراهن في جانب كبير منها على تنويع العرض لاستقطاب أكبر عدد ممكن من المتابعين.
ولا تكمن أهمية مثل هذه المهرجانات في أسماء الفنانين المشاركين فحسب، وإنما أيضا في قدرتها على إبقاء المدينة الداخلية حاضرة في الخريطة الثقافية الصيفية، في وقت يتركز فيه جانب مهم من التغطية الإعلامية على المواعيد الكبرى في العاصمة والمدن الساحلية.
سيدي بوزيد: الفن يلتقي بالذاكرة المحلية
وفي سيدي بوزيد، يتجاور المهرجان الصيفي الدولي مع تظاهرات تستند إلى الموروث المحلي والذاكرة الشعبية. ويبرز في هذا السياق المهرجان الوطني للولي الصالح سيدي بالطيب بمنطقة الرابطة، الذي انطلقت دورته العاشرة يوم 7 أوت، بما يعكس استمرار حضور التظاهرات ذات الطابع التراثي والروحي إلى جانب العروض الفنية الحديثة.
وتكشف هذه الثنائية عن وظيفة مختلفة للمهرجان الجهوي: فهو ليس مجرد سلسلة من السهرات الفنية، بل فضاء يمكن أن تتقاطع داخله الموسيقى والفنون مع الذاكرة الجماعية والعادات والموروث المحلي.
زغوان: موعد صيفي يحافظ على استمراريته
وفي زغوان، تنتظم الدورة التاسعة والثلاثون للمهرجان الصيفي من 12 إلى 18 أوت، في مسرح الهواء الطلق، ضمن برمجة تجمع بين الموسيقى والمسرح والعروض الفنية.
وتكتسب استمرارية هذه المواعيد أهمية خاصة في المدن التي لا تتوفر فيها كثافة العروض التي تعرفها العاصمة أو المدن الساحلية الكبرى. فالمهرجان، في هذه الحالة، يتحول إلى موعد ينتظره الجمهور المحلي، وإلى مناسبة لتنشيط الفضاء الثقافي خلال فترة الصيف.
الجنوب: تطاوين من الفن إلى استحضار خصوصية المكان
وفي الجنوب التونسي، أكدت تطاوين بدورها حضورها من خلال الدورة الرابعة والثلاثين لمهرجان تطاوين الصيفي الدولي، التي انتظمت من 14 جويلية إلى 3 أوت 2026. وقد توزعت البرمجة بين الموسيقى والمسرح والسينما، إلى جانب عروض تستند إلى خصوصية الجهة.
وتكتسب التجربة التطاوينية أهمية من موقعها الجغرافي ومن سعيها إلى جعل المهرجان نافذة ثقافية على الجنوب، بدل أن يبقى النشاط المهرجاني الصيفي حكرا على المناطق الساحلية. كما أن تعدد الفضاءات التي احتضنت العروض يتيح ربط التظاهرة بالمدينة ومحيطها الثقافي.
وفي قبلي، يتواصل هذا الحضور الجهوي من خلال تظاهرات أخرى، من بينها مهرجان جمنة الثقافي «نسمات الواحة»، الذي افتتح دورته العشرين يوم 11 أوت، مقدما عرض «عشاق المحفل» في سهرة الافتتاح. وتكتسب مثل هذه التظاهرة خصوصيتها من ارتباطها ببيئة الواحة ومن حضور الثقافة المحلية في صياغة العرض المهرجاني.
باجة: الرهان على الإنتاج التونسي
وفي الشمال الغربي، احتضنت باجة من 22 جويلية إلى 5 أوت الدورة السادسة والأربعين لمهرجان باجة الدولي، ببرمجة ضمت 13 عرضا فنيا تونسيا، تراوحت بين المسرح والغناء. وافتتحت الدورة بعرض للفنانة شهرزاد هلال واختتمت بعرض «الزيارة» لسامي اللجمي، فيما تضمنت البرمجة أيضا عروض «بامبينو» لبسام الحمراوي و«بسي psy» لجعفر القاسمي.
ويقدم هذا الخيار البرمجي مثالا على قدرة المهرجانات الجهوية على منح الإنتاج التونسي مساحة واسعة، خاصة في وقت تميل فيه بعض المهرجانات الكبرى إلى استقطاب أسماء عربية ودولية.
صفاقس وبنزرت: مواعيد كبرى خارج العاصمة
ولا تقتصر الخريطة الجهوية على المهرجانات الأقل شهرة، إذ تستقطب مدن مثل صفاقس وبنزرت بدورها جمهورا واسعا. وتنتظم الدورة السادسة والأربعون لمهرجان صفاقس الدولي من 21 جويلية إلى 17 أوت، ببرنامج يضم 19 عرضا، وهو ما يجعل المدينة واحدة من أبرز المواعيد الثقافية في النصف الثاني من الصيف.
وفي بنزرت، تتواصل الدورة الثالثة والأربعون للمهرجان الدولي إلى 19 أوت، بعد أن انطلقت يوم 17 جويلية. وتؤكد هذه الاستمرارية أن خارطة المهرجانات لا تنحصر في قرطاج والحمامات، حتى داخل المدن التي تحظى بحضور سياحي وإعلامي أكبر.
وفي المقابل، تظهر في جهات أقل حضورا إعلاميا مواعيد أصغر حجما، لكنها أكثر التصاقا بالجمهور المحلي. ومن بينها المهرجان الصيفي سيدي أبي إسحاق بجبنيانة، الذي تنتظم دورته الثامنة والثلاثون من 14 إلى 17 أوت، في موعد يضيف إلى المشهد الثقافي بصفاقس وضواحيها تظاهرة أخرى خارج دائرة المهرجانات الأكثر شهرة.
مهرجانات بأدوار تتجاوز السهرة الفنية
تكشف هذه الأمثلة أن المهرجان الصيفي في تونس يؤدي أدوارا متعددة. فهو من جهة فضاء للترفيه وتقديم العروض الفنية، لكنه من جهة أخرى أداة لتنشيط المدن والجهات، وإعادة استعمال الفضاءات الثقافية والأثرية، وربط الجمهور المحلي بالإنتاج الفني.
وفي بعض الحالات، يصبح المهرجان أيضا وسيلة لإبراز هوية المكان. ففي سبيطلة تتقاطع العروض مع رمزية الموقع الأثري وذاكرة المنطقة، وفي جمنة يحضر محيط الواحة في هوية التظاهرة، بينما تستند مهرجانات أخرى إلى التراث المحلي أو إلى خصوصية المدينة.
كما تبرز مسألة أخرى تتصل بتجديد الجمهور. فإحداث مهرجان دولي للراب في سبيطلة، في الوقت الذي يحتفظ فيه مهرجان العبادلة بموعده التقليدي، يكشف إمكانية الجمع بين جمهور المهرجانات الكلاسيكية وجمهور شاب يبحث عن أنماط موسيقية جديدة. وهي تجربة تستحق المتابعة باعتبارها محاولة لتوسيع قاعدة المشاركة الثقافية خارج الأشكال المهرجانية المعتادة.
اللامركزية الثقافية: حضور قائم وأسئلة مستمرة
تضع هذه التجارب مسألة اللامركزية الثقافية في الواجهة. فوجود مهرجانات في سبيطلة والكاف وسيدي بوزيد وباجة وتطاوين وجمنة وجبنيانة وغيرها يؤكد اتساع النشاط الثقافي جغرافيا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن التوزيع الجهوي للموارد والاهتمام الإعلامي أصبح متوازنا.
وتظل الفوارق في الإمكانات، والتمويل، والبنية التحتية، والقدرة على استقطاب الفنانين والترويج للتظاهرات، عوامل تؤثر في قدرة المهرجانات الجهوية على الاستمرار. كما أن كثيرا من هذه المواعيد لا تحظى بالتغطية الإعلامية نفسها التي تحظى بها المهرجانات الكبرى، رغم أنها تمثل بالنسبة إلى جمهور الجهات موعدا ثقافيا أساسيا.
ومن هنا، فإن قراءة صيف المهرجانات التونسي لا تكتمل بالنظر إلى قرطاج والحمامات وحدهما. فخلف دائرة الأضواء توجد شبكة واسعة من المهرجانات التي تنشط في المدن والقرى والواحات والمناطق الداخلية، بعضها يواصل تقليدا عمره عقود، وبعضها يحاول التجديد، وبعضها الآخر يولد للمرة الأولى.
وإذا كان نجاح المهرجان يقاس عادة بحجم الجمهور وبأسماء الفنانين المشاركين، فإن قيمة المهرجانات الجهوية يمكن أن تقاس أيضا بقدرتها على جعل الثقافة أقرب إلى سكان الجهات، وعلى تحويل الفضاء المحلي إلى فضاء للإبداع، وعلى إعطاء كل مدينة فرصة لأن تروي، من خلال مهرجانها، جزءا من ذاكرتها وهويتها الثقافية.
(ملاحظة: تمت الإستعانة بالذكاء الاصطناعي لإعداد المادة)

✍️ منية كواش

