تحتل المرأة الريفية موقعا متزايد الأهمية في الاقتصاد المحلي والنشاط الفلاحي، بما يجعل الاعتراف بدورها الاقتصادي والاجتماعي جزءا متناميا من السياسات التنموية في تونس. غير أن هذا الاعتراف لا يزال يصطدم بهشاشة العمل وضعف الحماية الاجتماعية وصعوبة النفاذ إلى الموارد ووسائل الإنتاج. ويتناول التقرير المرأة الريفية في السياسات التنموية، والتمكين الاقتصادي، والانتقال من الدعم إلى الإدماج، والواقع الاجتماعي والمهني، والحماية الاجتماعية، وظروف العمل، ودور الحكومة والمجتمع المدني والخبراء، وصولا إلى تحدي تحويل الاعتراف بدور المرأة الريفية إلى استقلال اقتصادي وعمل لائق ومستدام.
فجوة بين الخطاب و ظروف العمل الفعلية
المرأة الريفية في السياسات التنموية كانت حاضرة في مخطط التنمية 2016–2020 ضمن تشخيص أوسع للفوارق بين النساء والرجال وبين الوسطين الحضري والريفي. وسجل المخطط ارتفاع بطالة النساء الريفيات مقارنة بالمعدل الوطني للبطالة النسائية، إلى جانب ضعف الموارد المخصصة للنهوض بالنساء والفتيات في المناطق الريفية واستمرار الانقطاع المبكر عن الدراسة، خاصة في هذه المناطق. كما اعتبر صعوبة وصول النساء إلى الموارد والتمويل وشبكات الأعمال والتكوين والتسويق من الإشكاليات التي تحتاج إلى معالجة.
التمكين الاقتصادي ظهر في تلك المرحلة باعتباره أحد مسارات معالجة هذه الفوارق، من خلال دعم المبادرة الاقتصادية وتحسين المهارات والنفاذ إلى التمويل. وتكشف وثائق الوزارة اللاحقة أن برنامج «رائدات» جعل من تقليص الفوارق بين الوسطين الحضري والريفي والتمكين الاقتصادي للمرأة ودعم المبادرة النسائية أهدافا أساسية، مع برمجة إحداث 3000 مشروع و8400 موطن شغل خلال الفترة 2021–2025.
المرأة الريفية في مخطط التنمية 2026–2030: من الهشاشة إلى الإدماج
تحتل المرأة الريفية موقعا خاصا في مخطط التنمية 2026–2030، في إطار توجه يرمي إلى تطوير إدماجها الاقتصادي والاجتماعي، والحد من الهشاشة التي ما تزال تطبع جزءا من نشاطها. ويشير المخطط إلى صعوبة نفاذ النساء والفتيات في الوسط الريفي إلى الموارد ووسائل الإنتاج، وإلى تردي ظروف العمل والنقل للعاملات في القطاع الفلاحي.
هشاشة العمل تبدو بوضوح في ضعف الحماية الاجتماعية، إذ لا تتجاوز نسبة العاملات في القطاع الفلاحي المشمولات بالتغطية الاجتماعية 13.2%، وفق نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024. ويقترح المخطط تدابير لتيسير الانتقال من القطاع غير المنظم إلى القطاع المنظم وضمان ظروف العمل اللائق.
الإدماج الاقتصادي يقوم على دعم مشاريع تثمين المنتجات الفلاحية من التحويل إلى التسويق، وإحداث فضاءات للتكوين وتسويق المنتجات النسائية في الوسط الريفي، ومرافقة صاحبات أفكار المشاريع قبل وبعد بعثها.
التمكين والحقوق يشملان أيضا تكوين النساء والفتيات وتعريفهن بحقوقهن وآليات الحماية، إلى جانب دعم مشاركتهن الاقتصادية وتعزيز قدرتهن على النفاذ إلى الموارد ووسائل الإنتاج. كما يتضمن المخطط إعداد برامج متعددة القطاعات لفائدة النساء والفتيات في وضعيات الهشاشة، بما يجعل تحسين ظروف العمل والحماية الاجتماعية جزءا من مسار أوسع نحو الإدماج والاستقلال الاقتصادي.
الانتقال من الدعم إلى الإدماج أصبح أوضح في الوثائق الأحدث. فـ«الميزان الاقتصادي 2026» يذكر أن سنة 2025 شهدت المصادقة على الاستراتيجية الوطنية للإدماج الاقتصادي والاجتماعي للنساء والفتيات في الوسط الريفي في أفق 2030 وخطتها التنفيذية، بالتوازي مع مواصلة برنامج «رائدات» وتعزيز فضاءات المساندة والتكوين والتسويق. وتشير الوثيقة إلى أن الهدف لم يعد فقط مساعدة النساء على بعث مشاريع، وإنما توفير منظومة مرافقة تشمل التكوين والتسويق والخدمات المحلية والجهوية.
الواقع الاجتماعي والمهني يكشف، في المقابل، استمرار فجوة واضحة بين هذا التطور في الخطاب والسياسات وبين ظروف العمل الفعلية. ويشير مخطط التنمية 2026–2030 إلى تردي ظروف العمل والنقل للعاملات في القطاع الفلاحي، وارتفاع العمل الهش في المناطق الفلاحية، كما يكشف أن نسبة النساء العاملات في القطاع الفلاحي اللاتي يتمتعن بالتغطية الاجتماعية لا تتجاوز 13.2% حسب تعداد السكان والسكنى لسنة 2024، إلى جانب صعوبة نفاذ النساء والفتيات في الوسط الريفي إلى الموارد ووسائل الإنتاج.

تمكين المرأة الريفية «قاطرة للنمو الاقتصادي»
الحماية الاجتماعية تمثل بذلك إحدى أكثر حلقات المفارقة وضوحا. فالمرأة الريفية أصبحت معنية بسياسات الإدماج الاقتصادي وريادة الأعمال، بينما يظل جزء مهم من العاملات في الفلاحة خارج التغطية الاجتماعية الكافية. وتؤكد منصة الأسرة التونسية أن برنامج «الإدماج الاقتصادي للعاملات الموسميات في القطاع الفلاحي» يستهدف رفع الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، وتوفير ظروف العمل اللائق، ومساعدة النساء على الانتقال من القطاع غير المهيكل إلى القطاع المهيكل، في اعتراف رسمي بأن الهشاشة ليست مجرد مشكلة دخل وإنما مشكلة وضع مهني واجتماعي متكاملة.
ظروف العمل تظل الحلقة الأكثر هشاشة، خصوصا بالنسبة للعاملات الفلاحيات الموسميات. وفي تحقيق نشر في أوت 2026، نقل موقع «نواة» عن منسقة عاملات الفلاحة بجبنيانة منيرة بن صالح وصفها ظروف العمل في موجات الحر بأنها «مشاهد الحرب»، مشيرة إلى الإجهاد الحراري والتعرض للمبيدات وغياب وسائل الوقاية والتغطية الصحية والاجتماعية. كما اعتبر الخبير الفلاحي عبد الله بن سعد أن سياسات التغير المناخي لم تدمج البعد الجندري بالقدر الكافي.
دور الحكومة يعكس بدوره تحولا في النظر إلى المرأة الريفية. ففي أفريل 2026، دعت وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن أسماء الجابري، خلال تظاهرة دولية بجنوب إفريقيا، إلى صياغة رؤية إفريقية موحدة تجعل من تمكين المرأة الريفية «قاطرة للنمو الاقتصادي»، مؤكدة أهمية تحويل تمكينها من قضية اجتماعية إلى رافعة اقتصادية وتنموية.
تحويل عمل النساء في الاقتصاد الريفي إلى عمل معترف به
دور المجتمع المدني والخبراء يضيف إلى هذا الخطاب الرسمي بعدا آخر. ففي ندوة وطنية حول التمكين الاقتصادي للمرأة في الوسط الريفي انعقدت في أفريل 2026، أوضحت رئيسة جمعية حماية البيئة والتنمية المستديمة ببنزرت نجوى بوراوي أن المشروع الذي تشارك فيه جمعيتها يستهدف دعم استقلالية المرأة الريفية من خلال تشخيص وضعيتها داخل المجامع الفلاحية واقتراح آليات عملية للنهوض بدورها. وركز أستاذ الاقتصاد الريفي فرج الشمك على إعداد أوراق توجيهية تتعلق بالاستقلالية الاقتصادية، والترويج للمنتوجات، وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للعاملات الفلاحيات.
المجتمع المدني يطرح بدوره مسألة الاعتراف الاقتصادي بالمرأة الريفية من زاوية الحقوق. فقد شهد فيفري 2026 توقيع اتفاقية شراكة بين المكتب الجهوي لـ«كوناكت» بجندوبة وجمعية المرأة الريفية بجندوبة، بهدف وضع حقوق المرأة في صلب السياسات الاقتصادية والاجتماعية للمؤسسة، وإقامة حوار بين القطاع الخاص والمجتمع المدني حتى تصبح المرأة الريفية جزءا من استراتيجية التنمية الاقتصادية للفاعلين الاقتصاديين.
التمكين الاقتصادي لا يقتصر، في هذه الصورة، على توفير التمويل أو بعث مشروع صغير. فالندوة التي انعقدت في مارس 2026 حول المشاركة الاقتصادية للمرأة، بمشاركة خبراء من البنك الدولي والجمعية التونسية للاقتصاديين، جعلت من النفاذ إلى سوق الشغل والتمويل ومن دور المرأة الريفية في الصمود الاقتصادي والتحول نحو نماذج نمو مستدامة محاور أساسية للنقاش. ويكشف ذلك اتساع المقاربة من المساعدة الاجتماعية إلى البحث في شروط المشاركة الاقتصادية الفعلية.
المفارقة التونسية تتمثل في أن الاعتراف بدور المرأة الريفية أصبح أكثر وضوحا في السياسات والخطابات الرسمية، بينما لا تزال شروط تحويل هذا الدور إلى استقلال اقتصادي وحقوق مهنية كاملة دون مستوى التطلعات. فالاستراتيجيات الجديدة تتحدث عن الإدماج، وريادة الأعمال، والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، والعمل اللائق، في حين تكشف المؤشرات الرسمية ومواقف العاملات والخبراء عن استمرار مشاكل النقل، والعمل الهش، وضعف التغطية الاجتماعية، وصعوبة النفاذ إلى الموارد.
الانتقال إلى مرحلة جديدة يتطلب، لذلك، ألا يُقاس نجاح سياسة المرأة الريفية بعدد المشاريع الممولة أو برامج التكوين وحدها، وإنما بقدرتها على تحويل العمل الذي تؤديه النساء في الاقتصاد الريفي إلى عمل معترف به ومحمي ومستدام. ويعني ذلك الجمع بين النفاذ إلى الأرض والتمويل والأسواق، والتكوين والمرافقة، والنقل الآمن، والحماية الاجتماعية والصحة والسلامة المهنية، حتى يصبح الاعتراف بدور المرأة الريفية اقتصاديا ترجمة فعلية لحقوقها، لا مجرد اعتراف بخطاب التنمية.
(ملاحظة : تم اعتماد الذكاء الاصطناعي لوضع مادّة الموضوع)


