الرئيسيةأخبارالمخرجة السينمائية هيني سرور: السياسة والفن في خدمة المراة والعدالة.

المخرجة السينمائية هيني سرور: السياسة والفن في خدمة المراة والعدالة.

منية كواش، صحفية مستقلة.

تستعيد الدورة السابعة للمهرجان الدولي لفيلم المرأة «بعيونهن» في تونس من 3 إلى 7 أكتوبر 2026، تجربة سينمائية عربية استثنائية من خلال تكريم المخرجة اللبنانية هيني سرور واستضافتها مشاركة رئيسية في المهرجان، مع عرض عدد من أفلامها. وبعد أكثر من نصف قرن على مغامرتها السينمائية الأولى، تعود سرور إلى الواجهة لا باعتبارها اسماً من الماضي، بل باعتبارها واحدة من المخرجات العربيات اللواتي ما زالت أسئلتهن حول المرأة والحرية والتاريخ والمقاومة قادرة على محاورة الحاضر.

ليست هيني سرور مجرد مخرجة لبنانية دخلت تاريخ السينما العربية من بوابة مهرجان “كان“، بل هي صاحبة تجربة سينمائية وفكرية طريفة، تداخل فيها الهمّ النسوي مع قضايا التحرر الإجتماعي ومقاومة الاستعمار والبحث عن الذاكرة المغيّبة. وعلى امتداد أكثر من خمسة عقود، ظلت صاحبة «ساعة التحرير دقت» و«ليلى والذئاب» تنظر إلى السينما باعتبارها وسيلة لمساءلة التاريخ، وكشف ما حجبه السرد الرسمي عن النساء ودورهن في التحولات السياسية والاجتماعية.

من بيروت إلى السوربون

ولدت هيني سرور في بيروت سنة 1945، ودرست علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية في بيروت، كما عملت في الصحافة والتدريس خلال سنوات دراستها. ثم انتقلت إلى فرنسا لدراسة الأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة السوربون، حيث تتلمذت على عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا مكسيم رودنسون. وفي فرنسا اقتربت من السينما، وخصوصا من تجربة المخرج وعالم الإثنوغرافيا جان روش، الذي كان ينظم دورات في السينما الإثنوغرافية.

لكن السينما بالنسبة إلى سرور لم تكن اختيارا مهنيا منفصلا عن تجربتها الشخصية والفكرية. فقد بدأت في سن مبكرة الاهتمام بقضايا النساء، وأسست وهي في السابعة عشرة مجموعة نسوية في لبنان، في وقت كانت فيه مشاركة المرأة العربية في النقاش العام والسياسي ما تزال محكومة بقيود اجتماعية وثقافية قوية. وتشير شهاداتها إلى أنها اضطرت إلى خوض معارك شخصية من أجل مواصلة تعليمها وتجنب الزواج المرتب، وهي تجربة تركت أثرا واضحا في نظرتها اللاحقة إلى استقلال المرأة.

«ساعة التحرير دقت».. السينما في قلب المعركة

كان فيلمها «ساعة التحرير دقت» نقطة التحول الحاسمة في مسيرتها. أنجزت الفيلم حول ثورة ظفار في سلطنة عُمان، وركزت بصورة خاصة على حضور النساء في حركة المقاومة والتحولات الاجتماعية التي رافقتها. وللوصول إلى مناطق الصراع، خاضت سرور وطاقمها رحلة شاقة عبر الصحراء والجبال، امتدت مئات الكيلومترات وتحت ظروف أمنية بالغة الخطورة ولطالما واجه مشروعها الإستخفاف والرفض إلى درجة أنها كادت تعتقد الأحكام المسبقة ب“الجنون” التي أصدرها العديد من من عرضت عليهم مشروع الفلم.

أنجز الفيلم سنة 1974، واختير للمشاركة في مهرجان “كان“، لتصبح سرور أول مخرجة عربية تُعرض لها أعمال في المهرجان العريق. ويؤكد أرشيف مهرجان كان حضور الفيلم ضمن المسابقة الرسمية سنة 1974.

لم يكن وصولها إلى مهرجان “كان” السينمائي مجرد إنجاز شخصي. فقد حمل الفيلم معه رؤية مختلفة للمرأة العربية، إذ لم تظهر النساء فيه كضحايا أو شخصيات هامشية، بل كمشاركات في العمل السياسي والمقاومة المسلحة وفي إعادة بناء المجتمع. ولهذا أصبح الفيلم، إلى جانب قيمته الوثائقية، جزءا من تاريخ السينما النسوية والعربية المناهضة للاستعمار.

غير أن الفيلم واجه أيضا المنع في عدد من البلدان العربية بسبب مضمونه السياسي والنسوي. وبذلك وجدت سرور نفسها في مواجهة أكثر من سلطة في آن واحد: سلطة سياسية تخشى الخطاب الثوري، وسلطة اجتماعية لا تنظر بعين الرضا إلى استقلال المرأة، وحتى بعض التيارات اليسارية التي اعتبرت تركيزها على النساء مبالغة في إبراز المسألة النسوية.

«ليلى والذئاب».. استعادة التاريخ من ذاكرة النساء

بعد عشر سنوات تقريبا، عادت هيني سرور إلى السينما بعمل أكثر طموحا وتركيبا هو «ليلى والذئاب» سنة 1984. وإذا كان فيلمها الأول قد وثّق مقاومة معاصرة، فإن الفيلم الثاني ذهب أبعد في مساءلة التاريخ نفسه.

تتبع «ليلى والذئاب» امرأة لبنانية تعيش في لندن وتبدأ رحلة عبر ذاكرة النساء العربيات، فتستعيد عقودا من التاريخ اللبناني والفلسطيني، وتكشف أدوارا نسائية كثيرا ما جرى تجاهلها في الروايات السياسية والاجتماعية السائدة. الفيلم لا يقدم التاريخ في خط مستقيم، بل يمزج بين الذاكرة الجماعية وإعادة التمثيل والأرشيف والحكاية الشعبية والأغنية.

وكانت الحرب الأهلية اللبنانية حاضرة حتى في ظروف إنتاج الفيلم. فقد تم التصوير في لبنان وسوريا وبريطانيا، وفي مواقع كانت الحرب لا تزال مستعرة فيها. وتروي سرور أن فريق العمل تعرض أكثر من مرة لخطر القتل، وأن تصوير المشهد الختامي في أسواق بيروت المدمرة تم في ظروف بالغة الخطورة.

لكن أهمية الفيلم لا تكمن فقط في صعوبة إنتاجه، وإنما في اختياره زاوية نظر مختلفة إلى التاريخ. فالمرأة عند سرور ليست مجرد موضوع للسينما، وإنما هي أيضا صاحبة ذاكرة وشريكة في صناعة التاريخ.

وفي حديث لها بمناسبة الذكرى الأربعين للفيلم، قالت سرور إن النساء شاركن في اللحظات التاريخية الكبرى، لكنهن كن غالبا يعدن إلى أدوارهن التقليدية بعد انتهاء الحاجة إلى مشاركتهن. ومع اقتراب العصر الحديث، بدأت النساء، في تصورها، يزدن وعيا بأهميتهن ويرفضن أن يكن مجرد أدوات تستخدمها المشاريع السياسية ثم تستغني عنهن.

ضد «حصر» المرأة في قضاياها

تتميز رؤية سرور بأنها لا تقبل وضع السينما النسوية في هامش منفصل عن السياسة والتاريخ. فهي ترى أن المرأة ليست قضية اجتماعية خاصة بها فقط، بل طرف في قضايا التحرر والحرب والاستعمار والاقتصاد والسياسة.

وقد تجسد هذا الموقف في البيان الذي شاركت في صياغته سنة 1978 إلى جانب المخرجة التونسية سلمى بكار والباحثة المصرية ماجدة واصف حول التعبير الذاتي للمرأة العربية في السينما. وكان الهدف الدفاع عن حق النساء في صناعة أفلامهن والتعبير عن تجاربهن وقضاياهن من مواقعهن الخاصة.

ومن هنا تبدو سرور مختلفة عن بعض التصورات التي تختزل السينما النسوية في معالجة قضايا الأسرة أو العلاقات الشخصية. بالنسبة إليها، تستطيع المرأة أن تتناول الثورة والحرب والتحرر والاستعمار والسياسة، تماما كما يفعل المخرج الرجل.

الأغنية بوصفها ذاكرة

ومن الخصائص اللافتة في سينما هيني سرور اعتمادها على الأغنية والتراث الشفهي. ففي «ليلى والذئاب» تصبح الأغنية وسيلة لاستعادة الذاكرة الجماعية، بينما تتكرر الألحان الشعبية في سياقات مختلفة لتربط بين أحداث متباعدة زمنيا.

وتفسر سرور اهتمامها بالأغاني التراثية بأنها وسيلة إعلام بديلة للفئات المحرومة، وأنها تستطيع أن تمنح الذاكرة الجماعية صوتا. وهذا الاختيار يكشف عن تصورها للسينما باعتبارها تركيباً بين الصورة والصوت والذاكرة الشعبية، لا مجرد رواية تقليدية للأحداث.

من النساء إلى الشيخ إمام وفيتنام

لم تتوقف تجربة سرور عند فلسطين ولبنان. ففي سنة 1991 أنجزت «الشيخ المغني»، وهو فيلم قصير عن الفنان المصري الشيخ إمام، صاحب الأغاني السياسية التي ارتبطت بالاحتجاج والنقد الاجتماعي. ويكتسب الفيلم أهمية خاصة لأن سرور كانت من القلائل الذين تمكنوا من تصوير الشيخ إمام في محيطه الشخصي واليومي.

وفي منتصف التسعينيات عادت إلى قضية النساء من خلال «Rising Above: Women of Vietnam»، الذي تناول تجارب نساء فيتناميات شاركن في الحرب ومواجهة الاستعمار، ثم واجهن بعد الحرب تحديات اجتماعية مرتبطة بإرث طويل من الطاعة والتهميش. كما أنجزت أعمالا وثائقية أخرى مثل «عيون القلب» و«إضراب النساء العالمي 2000».

وهكذا، فإن تعدد جغرافيا أفلامها لا يخفي وحدة مشروعها: المرأة في مواجهة الاستعمار والحرب والسلطة الأبوية، والسينما في مواجهة النسيان.

أفلام قليلة.. وأثر نوعي.

قد تبدو حصيلة هيني سرور السينمائية محدودة قياسا إلى طول مسيرتها، لكن قلة الأفلام لا تعني محدودية المشروع. فقد استغرقت «ساعة التحرير دقت» سنوات طويلة من العمل، بينما احتاج إنجاز «ليلى والذئاب» إلى سنوات أخرى بسبب صعوبات التمويل والإنتاج والحرب.

وتكشف هذه المسيرة أيضا عن مشكلة أوسع تتعلق بإنتاج السينما العربية المستقلة، وخاصة السينما التي تتقاطع فيها السياسة والنسوية. وقد تحدثت سرور في مقابلاتها عن الصعوبات المالية وعن اضطرارها إلى البحث المستمر عن التمويل، وهي صعوبات لم تمنعها من التمسك برؤيتها الفنية والسياسية.

واللافت أن أفلامها عادت في السنوات الأخيرة إلى واجهة المشهد السينمائي الدولي من خلال عمليات ترميم وعروض جديدة. فقد أعيد ترميم «ليلى والذئاب»، كما أعيد تقديم «ساعة التحرير دقت» في عروض وبرامج سينمائية دولية، وهو ما أتاح لجمهور جديد اكتشاف تجربة مخرجة سبقت كثيرا من النقاشات الحالية حول السينما النسوية وإعادة كتابة التاريخ من منظور النساء.

سينما لم تتقاعد من أسئلتها

تبدو هيني سرور اليوم، أكثر من اسم في تاريخ السينما العربية، بل هي شاهدة على مرحلة كان فيها المخرج مطالبا بأن يكون أيضا باحثا ومغامرا ومناضلا ومفاوضا من أجل إنتاج فيلمه.

لقد اختارت أن تدخل مناطق الصراع بدل أن تكتفي بمراقبتها من بعيد، وأن تبحث عن النساء داخل التاريخ بدل انتظار أن يكتب الآخرون قصتهن. ومن «ساعة التحرير دقت» إلى «ليلى والذئاب» ثم أعمالها عن الشيخ إمام ونساء فيتنام، حافظت على السؤال نفسه بأشكال مختلفة: من يكتب التاريخ؟ ومن يملك حق الظهور فيه؟ ومن يقرر ما الذي يستحق أن تحفظه الذاكرة؟

قوة هيني سرور الأساسية هي أنها لم تفصل بين الفن والموقف العام. فهي لا تقدم السينما بوصفها خطابا فنيا محظا، وإنما كأداة للبحث والاحتجاج وإعادة النظر في الروايات الجاهزة. ولذلك ظل حضورها متجددا كلما عادت أفلامها إلى الشاشات، وكأن الزمن لم يضع حدا لأسئلتها، بل منحها جمهورا جديدا قادرا على اكتشافها من جديد.

من «ساعة التحرير دقت» إلى «ليلى والذئاب»،تتعاملت هيني سرور مع الكاميرا باعتبارها وسيلة للذهاب إلى قلب التجربة الإنسانية. ولهذا تبدو عودتها إلى المشهد السينمائي العربي، من بوابة تونس ومهرجان «بعيونهن»، مناسبة لاستعادة واحدة من التجارب التي أثبتت مبكراً أن السينما النسائية العربية ليست جنساً سينمائياً منفصلاً، وإنما يمكن أن تكون في الوقت نفسه سينما سياسية وتاريخية وفنية، وأن تجعل من سؤال المرأة مدخلاً إلى أسئلة المجتمع بأسره.

بتكريم هيني سرور، لا يحتفي مهرجان «بعيونهن» بمخرجة عربية رائدة فحسب، بل يستعيد جزءاً من ذاكرة السينما العربية نفسها؛ ذاكرة امرأة اختارت، منذ البداية، أن تحمل الكاميرا إلى الأماكن الصعبة، وأن تضع النساء في قلب الصورة، وأن تسأل من يكتب التاريخ، ومن يملك حق روايته.

spot_img

أبرز التصنيفات