الرئيسيةأخبارمدينة الثقافة الشاذلي القليبي: من حلم البنية الثقافية إلى سؤال المدينة التي...

مدينة الثقافة الشاذلي القليبي: من حلم البنية الثقافية إلى سؤال المدينة التي يريدها الجمهور.

منية كواش، صحفية مستقلّة.

في قلب تونس العاصمة، وعلى امتداد فضاء كان يحتضن سابقا معرض تونس الدولي، تقوم مدينة الثقافة الشاذلي القليبي بوصفها أحد أكبر المشاريع الثقافية الجامعة في تونس. وبعد أكثر من ثماني سنوات على افتتاحها الرسمي، تبدو المدينة اليوم أمام مرحلة جديدة لا يتعلق السؤال فيها بامتلاك بنية ثقافية ضخمة فحسب، وإنما بكيفية إدارة هذه البنية، وتنسيق مؤسساتها، وتطوير وظائفها، وجعلها أكثر التصاقا بالجمهور ومحيطها الاقتصادي والاجتماعي.

وقد أعاد اجتماع مجلس مدينة الثقافة، الذي ترأسته وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي يوم 30 سبتمبر 2026، هذه الأسئلة إلى الواجهة. فقد تناول الاجتماع التسيير الإداري والفني لمختلف الفضاءات والمؤسسات الموجودة داخل المدينة، ودعا إلى توحيد جهود المشرفين عليها وتحسين التنسيق بينهم، بما يعزز إشعاعها وانفتاحها على محيطها الاقتصادي باعتبارها مركزا ثقافيا وسياحيا واقتصاديا مهما.

ولم تكن النقاط المطروحة في الاجتماع تقنية بحتة. فمسألة المولدات والتجهيزات عند انقطاع الكهرباء، وتعزيز الأسطول التقني، والأمن وتنظيم مواقف السيارات، وضبط استعمال القاعات، وتنسيق روزنامة الأنشطة، وإقرار خطة اتصالية موحدة، تكشف جميعها أن المرحلة الحالية تطرح على المدينة سؤال الحوكمة الثقافية: كيف يمكن إدارة هذا العدد من المؤسسات والفضاءات داخل مركب واحد بحيث تتحول كثرتها إلى قوة متكاملة، لا إلى جزر منفصلة؟

مدينة ولدت بعد انتظار طويل

لم تكن مدينة الثقافة مشروعا عاديا في تاريخ البنية الثقافية التونسية. فقد افتتحت رسميا يوم 21 مارس 2018، واعتبرتها وزارة الشؤون الثقافية آنذاك أكبر مشروع ثقافي جامع ومتنوع في البلاد. وقد جاء افتتاحها بعد مسار طويل من الإعداد والصعوبات دام 15 سنة منذ وضع حجر الأساس، وهو ما جعل لحظة فتح أبوابها تحمل معنى يتجاوز تدشين مبنى جديد إلى إعلان دخول تونس مرحلة جديدة في تصور البنية الثقافية الوطنية.

وأقيم المشروع في موقع معرض تونس الدولي السابق على شارع محمد الخامس، في فضاء يمتد على نحو تسعة هكتارات في قلب العاصمة. وتضمن منذ البداية مجموعة كبيرة من المسارح والقاعات والمتاحف والمؤسسات والمراكز المتخصصة، بما جعله أقرب إلى مركب ثقافي متعدد الوظائف منه إلى مؤسسة ثقافية تقليدية.

وفي الندوة الصحفية التي عقدت بمناسبة الافتتاح الرسمي، قدم وزير الشؤون الثقافية آنذاك محمد زين العابدين تصور المدينة باعتبارها فضاء جامعا للفنون والآداب، يتيح للمبدعين فرص العمل والتكوين والابتكار والعرض، ولا يقصي أي فئة من الفاعلين الثقافيين. وكان التصور المعلن يقوم على تجميع أقطاب ومؤسسات مختلفة، مع منحها هامشا من الاستقلالية الإدارية والمالية ضمن سياسة ثقافية شاملة.

ومنذ الأيام الأولى، لم تكن وظيفة المدينة مقتصرة على استقبال العروض. فقد احتضنت المعارض والتكوينات والندوات والأنشطة المسرحية والموسيقية والأدبية والسينمائية، وفتحت أبوابها للجمهور للزيارة ومتابعة الأنشطة، وهو ما عكس الرغبة في جعلها فضاء ثقافيا يوميا وليس مجرد قاعة كبرى للعروض الاحتفالية.

ماذا يوجد داخل المدينة؟

تقوم أهمية مدينة الثقافة أساسا على تنوع وظائفها. فهي تضم فضاءات للعروض المسرحية والموسيقية، ومتحفا للفن الحديث والمعاصر، وقاعات للمعارض، ومكتبة سينمائية، ومؤسسات مرتبطة بالأدب والترجمة والرواية، ومراكز متخصصة في الاقتصاد الثقافي الرقمي، إضافة إلى مؤسسات فنية وإبداعية أخرى.

وكان مشروعها منذ الافتتاح يقوم على مجموعة من الأقطاب، من بينها قطب الموسيقى والأوبرا، الذي أدمج داخله عددا من الهياكل الموسيقية الموجودة وأحدث أخرى جديدة، وقطب المسرح والفنون الركحية الذي أسندت إليه وظائف العرض والتكوين ودعم المبدعين، إلى جانب مكونات السينما والفنون البصرية والآداب والكتاب.

ويحتل مسرح أوبرا تونس موقعا مركزيا في هذه المنظومة. ولا تقتصر وظيفته على تقديم العروض، بل ارتبط منذ تأسيس المدينة بمشروع أوسع لتطوير الموسيقى والأوبرا والفنون الكوريغرافية والمشاريع الموسيقية المختلفة. كما أصبح أحد الفضاءات الرئيسية التي تستقبل المواسم الفنية والتظاهرات الكبرى.

أما المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر، فقد منح المدينة بعدا تشكيليا وبصريا، من خلال المعارض التي تستضيفها أروقته. وقد كان حفظ الذاكرة الفنية التونسية جزءا من التصور الأصلي للمتحف، إذ أعلنت الوزارة عند الافتتاح عن جرد ورقمنة عدد من الأعمال الفنية ونقلها إلى المدينة.

وتحتضن المدينة أيضا بيت الرواية، الذي أحدث ضمن قطب الآداب والكتاب، وهو فضاء جعل الرواية التونسية والعربية جزءا من الحياة اليومية للمدينة من خلال اللقاءات والندوات والتكريمات والحوارات مع الكتاب.

كما يوجد معهد تونس للترجمة، ومؤسسات أخرى ذات صلة بالكتاب والأدب. وقد احتضنت المدينة في السنوات الأخيرة لقاءات شعرية وروائية وبرامج تجمع بين الأدب (ومن أهمها منتدى الفكر التنويري الذي أشرف عليه محمد الماي)، والموسيقى والفنون، بما يؤكد أن وظيفة المدينة لا تنحصر في الفنون الركحية والفرجة.

ومن المكونات ذات الدلالة المستقبلية مركز تونس الدولي للاقتصاد الثقافي الرقمي، الذي يهتم بالبحث والتجريب في مجال الرقمنة وتطوير التطبيقات والمنتجات والخدمات التكنولوجية المرتبطة بالإبداع والصناعات الثقافية. ويمنح وجود هذا المركز داخل المدينة بعدا يتصل مباشرة بالتحولات الجديدة في الاقتصاد الثقافي والصناعات الإبداعية.

وتكتمل المنظومة بالمركز الوطني لفن العرائس ومكوناته، وبالفضاءات المخصصة للفنون البصرية والسينما وغيرها من الاختصاصات. وقد انتقل المركز الوطني لفن العرائس إلى مدينة الثقافة سنة 2018، فأصبح جزءا من منظومة المدينة ومشاريعها الموجهة إلى الأطفال وفن العرائس.

مدينة لا تعاني من نقص في الوظائف بقدر ما تعاني من تحدي التنسيق

إن كثرة المؤسسات الموجودة داخل مدينة الثقافة تمثل في حد ذاتها مصدر قوة، لكنها يمكن أن تتحول أيضا إلى مصدر تعقيد إداري إذا لم تكن هناك رؤية مشتركة.

وهذا بالضبط ما يعيد اجتماع مجلس المدينة طرحه. فالدعوة إلى آلية موحدة لتنسيق روزنامة الأنشطة والتظاهرات تعني أن المشكلة ليست في غياب البرامج، وإنما في ضرورة جعل هذه البرامج جزءا من روزنامة واحدة يستطيع الجمهور والإعلام والمهنيون متابعتها وفهمها.

فالمدينة تستضيف على مدار السنة عروضا مسرحية وموسيقية، ومعارض تشكيلية، ولقاءات أدبية، وندوات فكرية، وتظاهرات سينمائية، ومهرجانات كبرى. كما تستقبل تظاهرات وطنية ودولية لا تنظمها بالضرورة المؤسسات المقيمة فيها وحدها.

وقد احتضنت، على سبيل المثال، في سبتمبر 2026 افتتاح واختتام المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون، كما احتضنت الندوة الصحفية الخاصة بالدورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقية. وتدل هذه البرمجة الحديثة على موقع المدينة كأحد المراكز الرئيسية للنشاط الثقافي الوطني والعربي في تونس.

لكن كثافة البرمجة تفرض في المقابل ضرورة التنسيق بين المؤسسات حتى لا تتنافس الأنشطة على الجمهور نفسه، أو تتقاطع مواعيدها، أو تضيع بعض التظاهرات الجيدة وسط كثرة العروض.

ولهذا تكتسب الدعوة إلى خطة اتصالية موحدة أهمية خاصة. فالمدينة تحتاج إلى أن تقدم نفسها للجمهور باعتبارها وجهة ثقافية واحدة متعددة الأبواب، لا مجموعة مؤسسات تعمل كل منها في اتجاه مستقل. ويجب أن نذكّر أن الجهد الاتصالي كان مع بداية نشاط المدينة أكثر كثافة وأكثر نجاعة وتقلّص مع السنوات ليصل إلى حدّه الأدنى حاليا.

من «مدينة للثقافة» إلى «مدينة ثقافية»

يكمن أحد الأسئلة الأساسية في مستقبل المشروع في الفرق بين أن تكون المدينة مجرد مكان توجد فيه مؤسسات ثقافية، وبين أن تصبح فعلا مدينة ثقافية لها هوية وبرمجة وإيقاع وحضور في حياة الناس.

فالمدينة الثقافية، بالمعنى الأوسع، لا تقاس فقط بعدد المسارح أو القاعات أو المؤسسات، وإنما بقدرتها على جذب الناس وإبقائهم على علاقة متواصلة بالمكان.

وهنا يصبح الفضاء نفسه جزءا من التجربة الثقافية. فالمواطن الذي يأتي إلى عرض مسرحي يمكن أن يكتشف معرضا تشكيليا، أو يشارك في لقاء أدبي، أو يعود لاحقا إلى عرض موسيقي. وبذلك تنتقل المدينة من مفهوم «قاعة العرض» إلى مفهوم المسار الثقافي المتكامل.

وهذا التصور كان حاضرا بدرجات مختلفة منذ افتتاح المدينة. فقد قدمت الوزارة المشروع منذ البداية باعتباره فضاء للتكوين والابتكار والعرض، وليس مجرد مكان للاستهلاك الثقافي. كما أكدت لاحقا أهمية انفتاحه على مختلف الفئات الاجتماعية والأعمار، وعلى الشباب، وعلى أبعاد استثمارية وسياحية يمكن أن تجعل الثقافة جزءا من التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

الجمهور: الاختبار الحقيقي للمدينة

يبقى الجمهور، في نهاية المطاف، الطرف الذي يختبر قيمة كل هذه البنية. فمدينة الثقافة يمكن أن تمتلك مسارح مجهزة وقاعات ومعارض ومؤسسات متخصصة، لكن نجاحها الثقافي لا يكتمل إذا ظلت العلاقة بينها وبين الجمهور موسمية أو محدودة.

ومن هنا تكتسب تجربة «الخروج إلى المسرح» أهمية خاصة. فقد اختار مسرح أوبرا تونس أن يفتتح بها الموسم الثقافي 2026–2027، في دورتها السابعة التي تمتد من 25 سبتمبر إلى 1 أكتوبر 2026، وتضم ثمانية عروض مسرحية في مسرحي الجهات والمبدعين الشبان.

واللافت أن هذه التظاهرة تقوم على فكرة بسيطة وذات دلالة: العرض يخرج إلى الجمهور، والجمهور يخرج إلى المسرح. وقد انطلقت المبادرة قبل سبع سنوات في سياق جائحة كوفيد، بوصفها، وفق الجهة المنظمة، حركة صمود وتحدّ للخروج من الانغلاق والخوف نحو الحرية والإبداع والحياة، قبل أن تتحول إلى موعد سنوي لافتتاح الموسم الثقافي.

وفي دورة 2026، اختيرت ثمانية عروض متنوعة من تجارب ومؤسسات مختلفة. افتتحت الدورة بمسرحية «(ال)حُلم» للفاضل الجعايبي، وتواصلت مع «هاملت كوميديا الموت» لخبيب العياري، و«الموت» للأزهر الفرحاني، و«سراب» لحافظ خليفة، و«Fondu Noir» لمروان الميساوي، و«نومة» لدليلة المفتاحي، و«جرس» لعاصم بالتوهامي، لتختتم في الأول من أكتوبر بمسرحية «إقامة شهيرة» لعبد العزيز المحرزي في إنتاج مشترك بين مسرح أوبرا تونس والتلفزة التونسية.

وتكمن أهمية التجربة، من زاوية الجمهور، في أن الدخول إلى العروض كان مجانيا مع اشتراط الحجز المسبق. وهذه المعادلة تزيل عائقا ماليا أمام المتفرج، مع المحافظة على آلية تنظيمية تضمن التحكم في طاقة القاعات.

كما أن توزيع العروض بين مسرح الجهات وقاعة المبدعين الشبان يكشف عن محاولة لاستثمار أكثر من فضاء داخل المدينة، وليس حصر النشاط في المسرح الرئيسي.

ولا تتوفر أرقام رسمية منشورة عن عدد المتفرجين الذين تابعوا الدورة السابعة حتى يوم اختتامها. لكن بالمعاينة يمكن الحديث عن نجاح التجربة في استقطاب الجمهور بوصفه مؤشرا ميدانيا يبرز في الإقبال والحضور والحجز.

والأهم أن «الخروج إلى المسرح» يثبت أن الجمهور لا يحتاج بالضرورة إلى مناسبات ضخمة أو أسماء أجنبية حتى يقبل على مدينة الثقافة. فبرمجة مسرحية تونسية متنوعة، مع مجانية الدخول وحسن الاتصال والتنظيم، قادرة على خلق علاقة قوية بين المكان والمتفرج.

الجمهور ليس متلقيا فقط

إذا كانت المدينة تريد أن تبني مستقبلا ثقافيا أكثر استدامة، فإن المطلوب ربما لا يقتصر على زيادة عدد المتفرجين، بل على تكوين جمهور دائم.

وهذا يعني الانتقال من الجمهور الذي يأتي إلى المدينة لمناسبة محددة إلى جمهور يشعر بأن المدينة جزء من حياته الثقافية. ويمكن أن يبدأ ذلك من الأطفال والناشئة، ومن البرامج المدرسية والجامعية، ومن الورشات والتكوينات، ومن العروض ذات الأسعار أو شروط الدخول الميسرة، ومن تطوير الإعلام الثقافي الذي يعرف الناس بما يجري داخل المدينة.

وقد سبق لوزارة الشؤون الثقافية أن دعت، في متابعة سابقة لأقطاب المدينة، إلى مزيد الانفتاح على الفئات الاجتماعية والشرائح العمرية المختلفة، وإلى استقطاب العروض الفنية والإبداعية الراقية وإفساح المجال أمام الشباب لتقديم إنتاجاتهم الفكرية والفنية.

وهذا التصور يجعل الجمهور جزءا من السياسة الثقافية للمدينة، لا مجرد نتيجة نهائية لها.

«الخروج إلى المسرح» من التظاهرة إلى المؤشر

تبدو تظاهرة «الخروج إلى المسرح» مهمة أيضا لأنها تقدم، من خلال طبيعة عروضها، صورة مصغرة عن الوظائف التي يمكن أن تؤديها مدينة الثقافة.

ففي برنامج دورة 2026 نجد أسماء وتجارب مختلفة، وإنتاجات قادمة من تونس ومن الجهات، إلى جانب إنتاجات مرتبطة بمؤسسات عمومية وخاصة. وهذا يعني أن المدينة تستطيع أن تكون منصة لتجميع الإنتاج المسرحي التونسي وعرضه أمام جمهور واسع.

كما أن وجود نقاشات مرافقة للعروض يضيف بعدا آخر، إذ لا ينتهي العرض بانطفاء الأضواء، بل يتحول إلى مناسبة للحوار حول العمل وصناعه وأسئلته. وقد أعلنت الجهة المنظمة أن العروض تكون مشفوعة بنقاش في بهو مسرح الأوبرا.

ومن هنا يمكن النظر إلى «الخروج إلى المسرح» ليس فقط كتظاهرة افتتاحية للموسم، وإنما كاختبار سنوي لقدرة المدينة على الجمع بين الإنتاج والجمهور والحوار.

المدينة والثقافة والسياحة والاقتصاد

كان البعد الاقتصادي حاضرا منذ سنوات في النقاش حول مستقبل مدينة الثقافة. فقد أكدت وزارة الشؤون الثقافية في متابعة سابقة أن هذا المكسب الوطني يمكن أن يحمل أبعادا استثمارية وسياحية متميزة، وأن الثقافة يمكن أن تكون إحدى ركائز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ويعيد اجتماع سبتمبر 2026 طرح الفكرة بصورة أكثر مباشرة، عندما دعت الوزيرة إلى تعزيز إشعاع المدينة وانفتاحها على محيطها الاقتصادي، باعتبارها مركزا ثقافيا وسياحيا واقتصاديا مهما.

وهذا الانفتاح لا ينبغي أن يفهم باعتباره تحويل المدينة إلى فضاء تجاري، وإنما إيجاد علاقة متوازنة بين النشاط الثقافي والاقتصاد المحيط به: النقل، الإقامة، المطاعم، الخدمات، الصناعات الثقافية والإبداعية، التسويق، السياحة الثقافية، المؤسسات الخاصة والرعاية والشراكات.

لكن هذا التوجه يحتاج في المقابل إلى وضوح في الحدود بين استغلال المدينة اقتصاديا واستغلال فضاءاتها الثقافية تجاريا. وقد شهدت المدينة في السابق نقاشا حول المحلات التجارية الموجودة ضمن مكوناتها، حيث أوضح مدير عام مسرح الأوبرا آنذاك أن الجزء التجاري كان منذ المشروع الأصلي مخصصا لتوفير موارد يمكن أن تدعم الأنشطة الثقافية.

وهنا يصبح قرار مجلس المدينة بشأن القطع مع سوء استغلال بعض الفضاءات، ومنها قاعات السينما التي يفترض أن تقتصر على العروض السينمائية، ذا دلالة مهمة: الانفتاح الاقتصادي لا يعني إضعاف الوظيفة الأصلية للفضاء الثقافي.

مشكلات صغيرة تكشف أسئلة كبيرة

قد تبدو بعض النقاط التي ناقشها مجلس المدينة، مثل المولدات الكهربائية أو الأسطول التقني أو مواقف السيارات أو الأمن، بعيدة عن الأسئلة الكبرى للثقافة. لكنها في الواقع جزء من نجاح أي مشروع ثقافي بهذا الحجم.

فالعرض الفني يحتاج إلى تجهيزات تقنية، والجمهور يحتاج إلى إعلام مسبق ودقيق لكل التظاهرات وإلى شروط استقبال مناسبة، والمؤسسة تحتاج إلى أمن وتنظيم، والبرمجة تحتاج إلى تنسيق، والإعلام يحتاج إلى معلومات دقيقة ومناسبة لزخم العروض.

ولهذا فإن الحديث عن تعزيز الفريق التقني ليس شأنا إداريا محضا. إنه يتعلق مباشرة بجودة العروض وقدرة المدينة على استضافة مشاريع كبرى.

والأمر نفسه بالنسبة إلى الطاقة الكهربائية. فمدينة تضم مسارح وقاعات وتجهيزات تقنية متطورة تحتاج إلى منظومة طاقة احتياطية قادرة على ضمان استمرارية النشاط وحماية التجهيزات والجمهور والفنانين.

كما أن الأمن وتنظيم مواقف السيارات والدخول إلى المدينة يرتبطان بصورة مباشرة بتجربة المتفرج. فالمدينة التي تريد جذب الجمهور بانتظام مطالبة بأن تجعل الوصول إليها والدخول إليها والخروج منها جزءا من تجربة ثقافية مريحة.

من تعدد المؤسسات إلى وحدة المشروع

أهم ما يمكن أن يخرج به اجتماع مجلس مدينة الثقافة ربما هو إعادة تعريف المدينة باعتبارها مشروعا واحدا، لا مجرد مجموعة مؤسسات.

فالمؤسسات الموجودة داخلها تملك خصوصياتها وبرامجها، وهذا التنوع ضروري. لكن التنوع لا يلغي الحاجة إلى رؤية مشتركة في الاتصال والروزنامة والخدمات والأمن والصيانة واستقبال الجمهور.

ومن هنا يمكن أن يكون مجلس المدينة آلية للانتقال من منطق التنسيق الظرفي إلى حوكمة دائمة تشمل تبادل المعلومات، وتنسيق البرمجة، وضبط الأولويات التقنية، ومتابعة الجمهور، وتقييم الأنشطة، وتحديد الاحتياجات.

وقد عرفت المدينة منذ الأشهر الأولى لافتتاحها اجتماعات تقييمية خصصت لرصد النشاط وتقديم قراءات حول النقائص اللوجستية والتنظيمية واقتراح سبل تجاوزها. وهو ما يؤكد أن سؤال الإدارة ليس جديدا، بل يرافق المدينة منذ انطلاقها.

غير أن إنشاء مجلس مدينة الثقافة في 2026 يعطي لهذا المسار إطارا أكثر وضوحا، خاصة إذا تمكن من تحويل الملاحظات المطروحة إلى برامج عمل قابلة للمتابعة والتقييم.

مدينة الثقافة في المستقبل: ماذا نريد منها؟

بعد ثماني سنوات من افتتاحها، لم يعد السؤال هل تحتاج تونس إلى مدينة ثقافة كبرى. فالمدينة موجودة، ومؤسساتها قائمة، وبرامجها تتوالى، والجمهور يعرفها ويقصدها، وأصبحت تستقبل تظاهرات وطنية وعربية ودولية. السؤال الجديد هو: أي مدينة ثقافة نريد خلال السنوات القادمة؟

يمكن أن تكون الإجابة الأولى في تحويلها إلى مركز دائم للإبداع والإنتاج، لا مجرد فضاء لاستقبال الأعمال الجاهزة. وهذا يقتضي دعم التكوين والإقامات الفنية والورشات والمشاريع الجديدة، وخاصة الموجهة إلى الشباب.

والإجابة الثانية يمكن أن تكون في بناء جمهور المدينة من خلال برامج موجهة إلى الأطفال والناشئة والطلبة والعائلات، وربط المدينة بالمؤسسات التعليمية والجامعات، وتطوير برامج تجعل زيارة المدينة عادة ثقافية مترسّخة.

أما الإجابة الثالثة فتتعلق بالرقمنة. فوجود مركز تونس الدولي للاقتصاد الثقافي الرقمي داخل المدينة يتيح إمكانات مهمة لتطوير المحتوى الرقمي، والأرشيفات، والتطبيقات الثقافية، والتجارب التفاعلية، وربط الجمهور الشاب بالمدينة عبر الوسائط التي يستخدمها يوميا.

وتتعلق الإجابة الرابعة بالإشعاع الدولي. فمدينة بهذه البنية تستطيع أن تكون منصة لاستقبال الفنانين والمثقفين والمهرجانات والمؤسسات الدولية، وفي الوقت نفسه فضاء لتقديم الإنتاج التونسي إلى الخارج.

أما الإجابة الخامسة فتتمثل في الاقتصاد الثقافي. فالمدينة قادرة، إذا أحسن التخطيط، على أن تكون محركا للصناعات الثقافية والإبداعية، ومكانا للقاء الفنانين بالمنتجين والمستثمرين والمؤسسات الإعلامية والتقنية.

من الصرح إلى الحياة الثقافية

بعد سنوات من افتتاحها، تبدو مدينة الثقافة الشاذلي القليبي أمام مرحلة مختلفة عن مرحلة البناء والتدشين. فقد انتقلت من حلم عمره سنوات طويلة إلى مؤسسة قائمة تختبر يوميا قدرتها على أداء وظائفها.

وقد أثبتت السنوات الماضية أنها قادرة على احتضان عدد كبير من التظاهرات والمؤسسات والأنشطة، من المسرح والموسيقى إلى السينما والفنون البصرية والأدب والترجمة والاقتصاد الثقافي الرقمي. كما تحولت إلى عنوان ثابت في الروزنامة الثقافية التونسية وموقع لاستضافة تظاهرات عربية ودولية وجمهور مكثف ومتعدد.

لكن حجم المدينة يجعل نجاحها مرتبطا أكثر من أي وقت مضى بطريقة إدارتها. فكلما تعددت المؤسسات، ازدادت الحاجة إلى التنسيق. وكلما اتسعت البرمجة، ازدادت الحاجة إلى خطة اتصال موحدة. وكلما ارتفع عدد الفضاءات، أصبح حسن استغلال كل فضاء ضرورة لا خيارا.

وفي النهاية، يبقى الجمهور هو المقياس الأكثر مباشرة للحياة الثقافية في المدينة. وتقدم «الخروج إلى المسرح» نموذجا واضحا لما يمكن أن يحدث عندما تلتقي البرمجة الجيدة مع مجانية الدخول والتنظيم والاتصال وتنوع العروض. ولا تكمن أهمية هذه التجربة في عدد عروضها الثمانية فقط، وإنما في قدرتها على تحويل مدينة الثقافة إلى مكان يأتي إليه الناس من أجل المسرح، ويلتقون فيه بالفنانين، ويشاركون في النقاش، ويكتشفون فضاءات أخرى.

ومن هذه الزاوية، قد يكون مستقبل مدينة الثقافة أقل ارتباطا بفكرة إضافة مؤسسات جديدة وأكثر ارتباطا بتحسين أداء المؤسسات الموجودة، وتنسيق عملها، وتطوير علاقتها بالجمهور، واستثمار بنيتها في الإنتاج والتكوين والابتكار.

فالمدينة لا تصبح «مدينة للثقافة» بكثرة مبانيها، وإنما عندما تتحول هذه المباني إلى حياة ثقافية متواصلة؛ وعندما يصبح الجمهور شريكا في هذه الحياة؛ وعندما يجد الفنان فيها مكانا للإنتاج لا للعرض فقط؛ وعندما تجد المؤسسات داخلها مجالا للتعاون لا للتجاور؛ وعندما تنفتح على الاقتصاد والسياحة والمجتمع دون أن تفقد وظيفتها الثقافية.

ولعل اجتماع مجلس مدينة الثقافة في نهاية سبتمبر، بالتزامن مع ختام تظاهرة «الخروج إلى المسرح»، يضع هذه المرحلة الجديدة في صورة مكثفة: مدينة تمتلك البنية، وجمهور وفي ومكثّف يمكن التوسّع في استقطابه، ومؤسسات متعددة، وتجربة تراكمت منذ 2018، لكنها تحتاج الآن إلى إدارة أكثر تكاملا ورؤية أوضح لما تريد أن تكونه خلال السنوات المقبلة وإلى سياسة إتصال أكثر نجاعة ومتابعة لزخم النشاطات.

وهنا تكمن المسألة الأساسية: ليس كيف نملأ مدينة الثقافة بالأنشطة، بل كيف نجعلها مركزا نابضا للحياة الثقافية التونسية، طوال السنة، ولجميع الفئات، وبما يجعل الاستثمار الكبير في بنيتها يتحول إلى قيمة ثقافية واجتماعية واقتصادية مستدامة.

(ملاحظة : تم جمع بعض مواد الموضوع بالرجوع إلى الذكاء الاصطناعي)

✍️ منية كواش

spot_img

أبرز التصنيفات