منية كواش، صحفية مستقلة
تتجه تونس إلى إعادة صياغة مقاربتها لقضايا كبار السن، في سياق ديمغرافي واجتماعي يفرض الانتقال تدريجيا من سياسات تركز أساسا على الرعاية والحماية إلى سياسات تنظر إلى الشيخوخة باعتبارها مرحلة يمكن أن تتواصل خلالها المشاركة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وفي هذا السياق انعقدت يوم الخميس غرّة أكتوبر 2026 الندوة الوطنية حول «الشيخوخة النشيطة: إعادة التفكير في الأنظمة من أجل عمر أطول»، بمناسبة اليوم العالمي للمسنين، بمشاركة وزارات وهياكل وطنية وأممية وجمعيات ناشطة في المجال.
وجاءت الندوة لتطرح جملة من القضايا المترابطة، من بينها الاستراتيجية الوطنية متعددة القطاعات لكبار السن وخطتها التنفيذية، وصحة كبار السن ورفاههم، والمشاركة الثقافية، والتقاعد النشيط، والبحث العلمي والتنمية. كما تناولت المداخلات العلاقة بين الاستراتيجية الوطنية والاستراتيجية العربية لكبار السن وأهداف التنمية المستدامة، بما يعكس توجها نحو معالجة الشيخوخة باعتبارها قضية تتقاطع فيها السياسات الاجتماعية والصحية والاقتصادية والثقافية والبيئية.
الاستراتيجية الوطنية.. إطار مرجعي لسياسة الشيخوخة
تمثل الاستراتيجية الوطنية متعددة القطاعات لكبار السن الإطار المرجعي لهذا التحول. فقد أعدت تونس هذه الاستراتيجية للفترة 2022–2030 على أساس مقاربة متعددة القطاعات، تنطلق من تغير البنية السكانية وتطور الأسرة وتبدل حاجيات كبار السن. وتضم وثيقة الاستراتيجية تشخيصا لمجموعة من التحديات، من بينها المشكلات الصحية والإعاقة، والهشاشة الاقتصادية، وتراجع بعض أشكال التضامن بين الأجيال، وضعف المشاركة في الشأن العام والمحلي، وصعوبات النفاذ إلى الفضاءات ووسائل النقل والخدمات، إضافة إلى العنف والعزلة ومشكلات الإعداد للتقاعد.
وتكتسب هذه الاستراتيجية أهمية أكبر مع تسارع التحول الديمغرافي. فالمعطيات الأولية للتعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أظهرت بلوغ نسبة كبار السن 17 بالمائة من مجموع السكان، فيما تشير التقديرات الواردة في الخطة التنفيذية إلى إمكانية ارتفاعها إلى 22.6 بالمائة سنة 2041. ويعني هذا التحول أن قضية الشيخوخة لم تعد مرتبطة فقط بالخدمات الموجهة إلى فئة محددة، وإنما أصبحت جزءا من التخطيط الاجتماعي والاقتصادي والعمراني والصحي للدولة.
الأسرة والرعاية في الوسط الطبيعي
تمثل الإحاطة الأسرية والرعاية في الوسط الطبيعي المحور الأول للاستراتيجية، انطلاقا من اعتبار الأسرة الإطار الطبيعي والأمثل لحياة كبار السن. ويتجه هذا المحور إلى دعم قدرة الأسرة على مواصلة دورها في الرعاية، وتطوير خدمات القرب، وتعزيز التضامن بين الأجيال، بما يسمح لكبار السن بالبقاء في محيطهم الطبيعي كلما كانت ظروفهم تسمح بذلك.
كما يضع في الاعتبار الحاجة إلى مساندة أفراد الأسرة ومقدمي الرعاية حتى لا تتحول المسؤولية الأسرية إلى عبء يصعب تحمله، وهو ما يجعل دعم الأسرة جزءا من السياسة العمومية الخاصة بالشيخوخة وليس مجرد مسؤولية عائلية.
الحماية من الهشاشة وتحسين نوعية الحياة
تشكل الحماية من الفقر والهشاشة وتحسين نوعية الحياة المحور الثاني، وهو أوسع المحاور اتصالا بمفهوم البيئة الصديقة لكبار السن. فالاستراتيجية تتناول ضمان الدخل وظروف العيش، وتحسين الرعاية المؤسساتية والرعاية بالبيت، وحماية كبار السن من العنف، والاستجابة لاحتياجاتهم أثناء الأزمات والأوبئة والتغيرات المناخية.
وتولي المقاربة أهمية خاصة لمن يعيشون بمفردهم وللفئات ذات الوضعيات الخاصة، مع التأكيد على حق كبار السن في بيئة دامجة تراعي خصائصهم وتيسّر استقلاليتهم وحركتهم ونفاذهم إلى الخدمات.
الصحة والرفاه.. من العلاج إلى الوقاية
يمثل الحق في خدمات صحية ذات جودة المحور الثالث، بما يعكس أهمية الانتقال من معالجة الأمراض عند ظهورها إلى مقاربة صحية أكثر استباقية.
وتتضمن الاستراتيجية دعم برامج الوقاية الصحية، وتطوير خدمات تراعي خصوصيات كبار السن، وتعزيز طب الشيخوخة، وإحداث وحدات وأقسام مختصة، وتطوير برامج التشخيص المبكر، بما في ذلك الصحة النفسية، إلى جانب التفكير في خدمات الرعاية الصحية بالبيت لفائدة كبار السن الذين فقدوا القدرة على التنقل.
ومن هذا المنطلق حضرت صحة كبار السن ورفاههم ضمن محاور الندوة الوطنية، باعتبارهما من العناصر الأساسية في الانتقال من مفهوم إطالة العمر إلى مفهوم العمر الأطول المصحوب بالصحة والاستقلالية والكرامة.
المشاركة.. كبار السن فاعلون لا مجرد مستفيدين
تمثل المشاركة في الحياة الاقتصادية والثقافية والترفيهية والعامة المحور الرابع، وهو الأقرب إلى مفهوم «الشيخوخة النشيطة» الذي شكل عنوان الندوة.
فالمقاربة الجديدة لا تنظر إلى كبير السن باعتباره مستفيدا من الخدمات فقط، وإنما باعتباره شخصا يمتلك خبرات ومعارف ومهارات يمكن أن تظل فاعلة في المجتمع. ولذلك تتجه الاستراتيجية إلى تشجيع مشاركته الاقتصادية والاجتماعية، وإتاحة فرص المشاركة في الحياة العامة والشأن المحلي والعمل التطوعي، فضلا عن الأنشطة الثقافية والترفيهية والرياضية.
التقاعد النشيط واستمرار المشاركة
اكتسب التقاعد النشيط أهمية خاصة ضمن أشغال الندوة، باعتبار أن الانتقال من الحياة المهنية إلى التقاعد لا يعني بالضرورة الانسحاب من الحياة الاجتماعية.
وتطرح هذه المرحلة الحاجة إلى توفير فضاءات وبرامج تسمح للمتقاعدين باستثمار أوقاتهم وخبراتهم، والمساهمة في الحياة الثقافية والاجتماعية، ومواصلة التعلم والمشاركة والتواصل بين الأجيال. ومن شأن هذا التوجه أن يعيد تعريف التقاعد باعتباره مرحلة يمكن أن تستمر خلالها المشاركة، بدل اختزالها في نهاية النشاط المهني.
الثقافة والتضامن بين الأجيال
تندرج المشاركة الثقافية ضمن التصور الأوسع للشيخوخة النشيطة، إذ تمثل الثقافة وسيلة للحفاظ على التواصل والمشاركة ومقاومة العزلة الاجتماعية.
وفي هذا الإطار، شددت وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن على أن كبار السن فاعلون يمتلكون خبرات ومهارات وقدرة على الإسهام في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فيما اعتبر وزير الشؤون الاجتماعية هذه الخبرات رصيدا بشريا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا ينبغي نقله إلى الأجيال الجديدة.
وبذلك يصبح التضامن بين الأجيال أكثر من مجرد قيمة اجتماعية، إذ يتحول إلى وسيلة لنقل المعرفة والخبرة والحفاظ على مشاركة كبار السن في المجتمع.
بيئة صديقة لكبار السن
كانت البيئة الداعمة لكبار السن من الأفكار المركزية التي طرحتها الندوة، إذ شدد وزير الشؤون الاجتماعية على ضرورة تيسير النفاذ إلى الخدمات والتنقل وتعزيز الاستقلالية والمشاركة.
ولا تتعلق البيئة الصديقة بكبار السن بالخدمات الاجتماعية والصحية وحدها، وإنما تشمل أيضا السكن والنقل والتهيئة العمرانية والثقافة والتحول الرقمي وغيرها من المجالات. وهو ما يفسر تأكيد وزيرة الأسرة على ضرورة إحكام الترابط بين استراتيجية كبار السن والسياسات العمومية ذات الصلة.
فكلما كانت المدينة ووسائل النقل والخدمات والفضاءات العامة أكثر ملاءمة، أصبح بإمكان كبار السن الحفاظ على استقلاليتهم ومشاركتهم في الحياة اليومية لفترة أطول.
البحث العلمي والتنمية
حضر البحث العلمي والتنمية أيضا ضمن محاور الندوة، بما يعكس الحاجة إلى تطوير المعرفة المتعلقة بالشيخوخة وبالتحولات التي يعيشها كبار السن.
وتكتسب هذه المسألة أهمية في ظل التحول الديمغرافي، إذ تحتاج السياسات العمومية إلى معطيات دقيقة ومتجددة حول أوضاع كبار السن، وتوزع حاجياتهم، ومستوى استقلاليتهم، وأشكال الرعاية التي يحتاجونها، فضلا عن أثر البرامج والخدمات القائمة.
وتتيح المعرفة العلمية تطوير السياسات على أساس الحاجيات الفعلية، بدل الاكتفاء بمقاربات عامة لا تراعي التنوع الكبير داخل فئة كبار السن.
خطة تنفيذية لتحويل الاستراتيجية إلى إجراءات
يمثل حوكمة قطاع كبار السن وتطوير السياسات المحور الخامس والأخير، وهو الذي يمنح بقية المحاور إطارا مؤسساتيا للتنفيذ والمتابعة.
وقد تم إعداد الخطة التنفيذية للاستراتيجية بمشاركة الوزارات والشركاء منذ أكتوبر 2024، واستكملت صياغتها في يونيو 2025. وتقترح هذه الخطة 175 إجراء عمليا و124 مؤشرا، مع تحديد الأدوار والمسؤوليات ورزنامة التنفيذ وآليات المتابعة والتقييم.
وبذلك تنتقل الاستراتيجية من مستوى المبادئ العامة إلى برنامج قابل للمتابعة وقياس التقدم، وهو ما ينسجم مع تأكيد وزيرة الأسرة أن الخطة التنفيذية تتضمن إجراءات وبرامج وتدابير عملية، مع تحديد أدوار المتدخلين وآليات التنسيق ومنظومة للحوكمة وقياس مدى التقدم في التنفيذ.
نحو تطوير الإطار القانوني والمؤسساتي
تتصل الحوكمة أيضا بتطوير الإطار القانوني والمؤسساتي. فقد أعلنت وزارة الأسرة عن إعداد مشروع قانون أساسي يتعلق بحقوق كبار السن، إلى جانب مراجعة الإطار المنظم لمؤسسات الرعاية والإيواء، بهدف تحسين جودة الخدمات ودعم حماية الحقوق وتيسير النفاذ إليها.
ويأتي هذا التوجه في سياق الانتقال من مقاربة تركز أساسا على الرعاية إلى مقاربة تقوم على الحقوق والتمكين والمشاركة وتثمين القدرات، وهي المقاربة التي أكدها وزير الشؤون الاجتماعية خلال الندوة.
حماية الفئات الأكثر هشاشة
لا يعني التحول نحو الشيخوخة النشيطة التخلي عن منظومات الحماية والرعاية، خاصة بالنسبة إلى كبار السن الذين فقدوا الاستقلالية أو يعيشون في ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة.
وقد أشار وزير الشؤون الاجتماعية إلى الفصل 53 من الدستور الذي ينص على أن «تضمن الدولة المساعدة للمسنين الذين لا سند لهم»، مؤكدا مواصلة تطوير منظومات الرعاية والحماية الاجتماعية والخدمات الموجهة إلى كبار السن، مع إيلاء عناية خاصة للفئات الهشة وذوي الإعاقة والفئات الفقيرة ومحدودة الدخل.
وتتجه المقاربة الجديدة، في هذا السياق، إلى الجمع بين الحماية الاجتماعية من جهة، ودعم الاستقلالية والمشاركة من جهة أخرى، بحسب اختلاف أوضاع كبار السن وحاجياتهم.
من الرعاية إلى المشاركة
تكشف الندوة الوطنية حول «الشيخوخة النشيطة» عن تحول في طريقة النظر إلى الشيخوخة في تونس: من قضية رعاية اجتماعية محدودة إلى قضية عمومية متعددة الأبعاد تتطلب التخطيط المسبق والتنسيق بين القطاعات.
فالتحولات الديمغرافية تجعل من الضروري تطوير الخدمات الصحية والاجتماعية، وتهيئة المدن ووسائل النقل والفضاءات العامة، ودعم الأسر ومقدمي الرعاية، وتوفير فرص المشاركة، وفي الوقت نفسه حماية من أصبحوا في وضعيات هشاشة أو فقدوا الاستقلالية.
وبهذا المعنى، فإن الشيخوخة النشيطة لا تختزل في أنشطة ترفيهية أو ثقافية، وإنما تقوم على منظومة أوسع تجعل طول العمر مترافقا مع الصحة والكرامة والاستقلالية والمشاركة والحماية. وهو ما تسعى الاستراتيجية الوطنية متعددة القطاعات لكبار السن في أفق 2030 إلى ترجمته من خلال خمسة محاور وخطة تنفيذية تتضمن إجراءات ومؤشرات للمتابعة.
ويضع هذا المسار تونس أمام تحدي تحويل التحول الديمغرافي إلى فرصة لإعادة تنظيم المنظومات الاجتماعية والصحية والاقتصادية والثقافية حول احتياجات كبار السن وحقوقهم وقدراتهم، بما يجعل العمر الأطول مرتبطا أيضا بحياة أكثر استقلالية ومشاركة واندماجا في المجتمع.
العميد العماري مدير كبار السن بوزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن يعدد خدمات القرب، في إطار الاستراتيجية الوطنية لكبار السن 2022-2030 وخطتها التنفيذية لسنة 2026:
- الإيداع العائلي : ينتفع حالياً نحو 487 مسناً ومسنة بمنحة شهرية قدرها 350 ديناراً تسند للكافل مقابل التكفل بالمسن وتوفير حاجياته الأساسية. وتصرف المنحة بانتظام قبل نهاية كل شهر وغير خاضعة للأداءات. ويهدف البرنامج إلى توفير بديل للرعاية المؤسساتية، وتمكين كبار السن من مواصلة العيش داخل محيط عائلي كلما توفرت الظروف المناسبة لذلك.
- الفرق المتنقلة : تعتمد الوزارة حالياً 47 فرقة متنقلة تنشط في 19 ولاية وتقدم خدمات اجتماعية وصحية لكبار السن داخل منازلهم، في إطار تعزيز خدمات القرب ونقل الرعاية إلى محيط المسن. وتتجه الوزارة إلى تعميم هذه الفرق لتغطية مزيد من الجهات والاستجابة للحاجيات اليومية لكبار السن والحد من عزلتهم عن محيطهم الاجتماعي.
- فضاءات كبار السن : تعمل الوزارة على إصدار كراسات شروط تتعلق بمجال رعاية كبار السن، إلى جانب دعم وتطوير فضاءات مخصصة لهم، ومن بينها نوادي كبار السن التي توفر أنشطة ثقافية وترفيهية واجتماعية. وتسعى هذه الفضاءات إلى مساعدة المتقاعدين على مواصلة النشاط والاندماج في الحياة العامة، مع تشجيع الاستفادة من قدراتهم وخبراتهم بعد التقاعد.
(ملاحظة : تم جمع بعض مواد الموضوع بالرجوع إلى الذكاء الاصطناعي)
✍️ منية كواش

