منية كواش 15 أوت 2026
تحتاج المهرجانات، بعد إسدال الستار على آخر عروضها، إلى لحظة تتجاوز تقييم الأرقام والبرمجة والنجاحات الجماهيرية، للتوقف عند الوجوه التي وقفت خلف المشهد وتابعت تفاصيله اليومية، في ظروف غالبا ما تكون صعبة وضاغطة. فالمهرجان لا يصنعه الفنانون وحدهم، وإنما أيضا أولئك الذين يخططون وينظمون ويتابعون ويواجهون التفاصيل والأزمات ويعملون في الكواليس.
ومن هذا المنطلق، يأتي هذا البروفايل، بالتزامن مع اختتام الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي يوم 13 أوت 2026، تحية إلى نجيب الكسراوي مدير المهرجان وإلى كل «جنود الخفاء» الذين ساهموا في استمرار هذه التظاهرة العريقة وإنجاحها.
على امتداد أربع دورات، ارتبط اسم نجيب الكسراوي بإدارة مهرجان الحمامات والمركز الثقافي الدولي بالحمامات، حيث حاول أن يقدم تصورا للمهرجان يتجاوز تنظيم موسم صيفي من العروض، باتجاه بناء هوية فنية وثقافية متجددة لمؤسسة راكمت ستة عقود من الذاكرة.
من التنشيط الثقافي الجهوي إلى إدارة الحمامات
وصل الكسراوي إلى الحمامات بخبرة سابقة في العمل الثقافي الجهوي. فقد عمل في مجال التنشيط الثقافي وإدارة المؤسسات الثقافية، وشغل إدارة المركب الثقافي بسليانة، قبل أن يتولى خطة المندوب الجهوي للشؤون الثقافية بالقيروان.
وفي القيروان، ارتبط اسمه بإعادة إحياء مهرجان المدينة بعد انقطاع طويل، حيث قدم تصورا يقوم على تنويع البرمجة والانفتاح على الفضاءات العامة وإعطاء مكانة للعروض المحلية. وتكشف هذه التجربة المبكرة عن بعض الثوابت التي ستظهر لاحقا في إدارته لمهرجان الحمامات: الاهتمام بالجمهور، تنويع المضامين، تثمين الفنان التونسي والانفتاح على المحيط.
وفي جوان 2023، تم تعيينه مديرا عاما للمركز الثقافي الدولي بالحمامات «دار المتوسط للثقافة والفنون»، لينتقل بذلك من إدارة النشاط الثقافي الجهوي إلى واحدة من أبرز المؤسسات الثقافية والفنية في تونس.
مهرجان بهوية لا تكتفي بالموسيقى
منذ بدايات تجربته في الحمامات، ركز الكسراوي على خصوصية المهرجان وهويته التاريخية، وخاصة مكانة المسرح إلى جانب الموسيقى والكوريغرافيا.
وفي تقديمه لدورة 2024، شدد على أن من خصوصية مهرجان الحمامات «الانتصار للمسرح وانتقاء أفضل العروض من تونس وخارجها»، في تأكيد على أن المهرجان بالنسبة إليه ليس مجرد سلسلة من الحفلات الصيفية.
وفي 2025، أصبح هذا التصور أكثر وضوحا، إذ تحدث عن «سردية فنية متكاملة» وعن مهرجان يمثل «محطة ثقافية مهمة للفنان التونسي»، مع انفتاح في الوقت نفسه على المحيط المغاربي والعربي والإفريقي وعلى ثقافات العالم. وكانت الدورة التاسعة والخمسون قد ضمت 36 عرضا في 33 سهرة، بينها 18 عرضا تونسيا.
بهذا المعنى، كان خطاب الكسراوي يقوم على معادلة واضحة: الحفاظ على هوية المهرجان، مع تجديد الجمهور والبرمجة والانفتاح على تجارب فنية مختلفة.
الستينية.. من الاحتفال إلى الذاكرة الحية
بلغ هذا التصور ذروته في الدورة الستين، التي حملت شعار «ذاكرة تعيش». فقد قدم الكسراوي المهرجان باعتباره «علامة ثقافية تونسية عربية متوسطية» و«رأس مال ثقافي رمزي وطني»، معتبرا أن ستين سنة من تاريخ المهرجان ليست مجرد مناسبة للاحتفال بالماضي، وإنما فرصة للتفكير في المستقبل.
وضمت الدورة 32 عرضا، من بينها 27 عرضا موسيقيا وأربعة عروض مسرحية وعرض كوريغرافي، بمشاركة فنانين من تونس وعدد من الدول العربية والإفريقية والمتوسطية والعالمية. كما حرصت الإدارة على تعزيز الشراكات مع مؤسسات ثقافية دولية.
وكان حضور المرأة التونسية من أبرز الاختيارات الرمزية للدورة، التي افتتحت بمسرحية «الهاربات» لوفاء الطبوبي واختتمت بحفل صوفية صادق في عيد المرأة التونسية. وقد اختصر الكسراوي هذا الاختيار بالقول: «المرأة التونسية تفتتح الحكاية وتختتمها».
الذاكرة ليست أرشيفا
من أهم المشاريع التي رافقت الستينية المعرض التوثيقي الخاص بتاريخ مهرجان الحمامات، والذي اختير له يوم 31 جويلية، تاريخ افتتاح مسرح الهواء الطلق سنة 1964.
ولم يقتصر المشروع على عرض الصور والوثائق، بل اتجه إلى توظيف الوسائط الرقمية والتفاعلية للتعريف بالفنانين الذين مروا على ركح الحمامات وبمسيرة المهرجان. وفي تصور الكسراوي، فإن تاريخ المهرجان ليس ملكا لمدير أو مؤسسة، وإنما «قصة يكتبها الجميع».
وهنا تكمن إحدى أبرز سمات تجربته: تحويل الذاكرة من أرشيف للماضي إلى مادة يمكن للأجيال الجديدة اكتشافها والتفاعل معها.
الثقافة والجمهور والمدينة
لم يتوقف خطاب الكسراوي عند الجانب الفني، بل ربط المهرجان أيضا بالمدينة وبالحياة الاقتصادية والسياحية. فقد قدم مهرجان الحمامات باعتباره حدثا ثقافيا قادرا على المساهمة في تعزيز مكانة الحمامات كوجهة سياحية وثقافية، مع الاعتماد على الموارد الذاتية والشركاء والمستشهرين.
كما شكل الجمهور، في تصريحاته، أحد أهم مقاييس نجاح البرمجة، خاصة مع تسجيل إقبال قوي على عدد من العروض ونفاد تذاكر بعض السهرات قبل موعدها.
أربع سنوات.. ومسار واحد
نجيب الكسراوي خلال سنوات إدارته لمهرجان الحمامات، رسم صورة مسؤول ثقافي يحمل معه إلى المؤسسة الكبرى خبرة التنشيط الثقافي والعمل الجهوي.
من سليانة إلى القيروان ثم الحمامات، ظل التنوع والانفتاح وتثمين الفنان التونسي والاهتمام بالجمهور حاضرة في تجربته. غير أن انتقاله إلى إدارة مهرجان الحمامات أضاف إلى هذه العناصر مسؤولية أخرى: إدارة ذاكرة مؤسسة عمرها ستة عقود، ومحاولة جعل هذه الذاكرة قاعدة للتجديد لا عائقا أمامه.
وبانتهاء الدورة الستين، لا يختزل تقييم تجربة الكسراوي في عدد العروض أو التذاكر المباعة على أهميته في ظرف ضاغط على الدولة والتزاماتها في مجال الدعم العمومي للنشاطات الثقافية. لكن الأهم أن السنوات الثلاث الأخيرة قدمت للمهرجان سردية واضحة: هوية تحافظ على جذورها، وانفتاح على العالم، وحضور للفنان التونسي، واهتمام بالذاكرة، ورهان على الجمهور والمستقبل.
توجد وراء هذه الصورة التي تصل إلى الجمهور كل مساء، فرق إدارية وتقنية وفنية وأمنية ولوجستية وإعلامية تعمل بعيدا عن الأضواء. ولذلك فإن التوقف عند نجيب الكسراوي في نهاية الدورة الستين ليس احتفاء بشخص واحد بقدر ما هو تحية إلى كل منتعاونوا معه و حملوا المهرجان على أكتافهم، وواصلوا العمل في الكواليس حتى يصل الجمهور إلى مقاعده وتصل العروض إلى ركح الحمامات.
إنهم، في النهاية، جنود الخفاء الذين لا تظهر أسماؤهم كثيرا في واجهة المهرجان، لكن من دونهم لا يمكن للستارة أن تفتح ولا أن تسدل.
✍️ منية كواش

