منية كواش، صحفية مستقلة.
أنهى مهرجان فنون الهواة برواد – «تويزة» دورته الخامسة التي حملت اسم الفنان بلال الخليفي، مؤكداً مرة أخرى خصوصية تجربة ثقافية نشأت من داخل الأحياء الشعبية، واختارت أن تجعل من الفن والعمل الجماعي وسيلة لمقاومة التهميش وفتح المجال أمام الشباب للتعبير والإبداع. وانتظمت الدورة الخامسة من 7 إلى 14 أوت 2026، قبل أن تتواصل بعد ذلك عملية إعلان نتائج بعض المسابقات والأنشطة.
منذ بداياته، لم يقدم «تويزة» نفسه باعتباره مهرجاناً فنياً تقليدياً يقوم أساساً على أسماء الفنانين المحترفين وحجم الميزانية، وإنما كتجربة ثقافية محلية تمنح الهواة والشباب فضاء للإبداع والمشاركة. وتختصر عبارته التي رافقته منذ دوراته الأولى فلسفته: «للهوامش حق النفاذ إلى الثقافة». كما اختار المنظمون التأكيد في دورة 2026 على استقلالية المهرجان وعدم حصوله على دعم من وزارة الشؤون الثقافية، مع التنويه بدور الشركاء والمتعاونين.
من «حركة شباب أريانة» إلى «الموفما»
تعود تجربة المهرجان إلى سنة 2022، حين تأسس في إطار مبادرة شبابية ارتبطت بـ«حركة شباب أريانة»، وبشراكة مع عدد من الهياكل والجمعيات والفضاءات الثقافية والمدنية، من بينها دار الثقافة رواد وجمعية «نشاز» والمعهد العربي لحقوق الإنسان والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وبلدية رواد وفضاء «مسار». وكان الهدف المعلن آنذاك تثمين شباب رواد وتشجيعهم على الخلق والإبداع ومقاومة الصورة النمطية المرتبطة بالمنطقة.
وتطورت التجربة لاحقاً تحت إشراف «الموفما»، التي أصبح لها حضور مباشر في إدارة المهرجان وتأطير أنشطته. ويظهر ذلك بوضوح في دورة 2026، حيث أعلنت الجمعية تغيير إدارة المهرجان بعد أربع سنوات من تولي أسامة الظاهري، وتسليم المهمة إلى يسري الدهواثي، أحد أعضاء الفريق المؤسس.
ويقدم انتقال المسؤولية داخل الفريق نفسه صورة عن طبيعة التجربة: فمدير الدورة الخامسة يسري الدهواثي باحث في علم الاجتماع، وله تجربة سابقة في الراب والتصوير وصناعة الفيديو والأفلام القصيرة والوثائقية، وهو من أبناء الأحياء التي يستهدفها المشروع. وترتبط هذه الخلفية برغبة المهرجان في الجمع بين المعرفة والفن والعمل المحلي والشبابي.
«تويزة».. التشارك قبل الفرجة
اختيار اسم «تويزة» ليس اعتباطياً؛ فالاسم، وفق تقديم المهرجان منذ دوراته الأولى، يحيل إلى معنى التشارك والتعاون من أجل الصالح العام. ولذلك يبدو العمل الجماعي أحد أهم مكونات التجربة، سواء في التنظيم أو في المشاركة الفنية أو في العلاقة مع سكان المنطقة وشبابها.
وهذا البعد ظهر عملياً في دورة 2026 من خلال مشاركة 127 شاباً وشابة في العمل التطوعي، أغلبهم من رواد، توزعوا على مختلف الأحياء، بما يعكس محاولة تحويل سكان المنطقة من مجرد جمهور إلى شركاء في صناعة الحدث الثقافي.
كما أن تجربة المهرجان لا تقوم على العروض الفنية وحدها. فقد ضمت الدورة الخامسة ندوات وحوارات وورشات وماستر كلاس، من بينها لقاء حول مبادرات كسر الحصار عن غزة، وماستر كلاس في الكتابة الأدبية المعاصرة، ولقاءات حول الحقوق والحريات، إضافة إلى أنشطة مرتبطة بالشباب والقضايا الاجتماعية.
الهواة في قلب التجربة
يتمثل أحد ثوابت «تويزة» في إعطاء الهواة مساحة فعلية للظهور. وكانت الدورات السابقة قد فتحت المسابقة أمام مشاركين من مختلف جهات البلاد في مجالات متعددة، بينها الفنون التشكيلية والرسم ومسرح الشارع والشعر والغناء والسينما والرقص والعزف.
لكن التجربة تتجاوز فكرة المسابقة إلى توفير فرص للتعلم ونقل الخبرة. ففي دورة 2026، تحولت تجربة بعض أبناء الحومة أنفسهم إلى مصدر للمعرفة، كما حدث مع الكاتبة نيران الطرابلسي، إحدى العضوات المؤسسات في «الموفما»، التي قدمت ماستر كلاس حول الكتابة الأدبية المعاصرة لفنانين هواة. وهنا يصبح المهرجان فضاءً تتناقل فيه الأجيال والخبرات المعارف الفنية داخل البيئة المحلية نفسها.
الفن والقضايا العامة
اختار «تويزة» منذ بداياته عدم الفصل التام بين النشاط الفني والأسئلة الاجتماعية. فقد ارتبطت دوراته بموضوعات تتصل بالشباب والحقوق والحريات والهجرة والقضايا البيئية والمرأة والقضية الفلسطينية. وفي 2026، حمل البرنامج مساحة واضحة للنقاش حول فلسطين ومبادرات كسر الحصار، إلى جانب أنشطة توعوية حول قانون الاحتفاظ وحقوق المحتفظ بهم.
ولا يبدو هذا التوجه طارئاً على المهرجان؛ ففي دورة 2023، مثلاً، أكدت الهيئة المديرة أن التظاهرة تريد أن تكون مساحة للتعبير عن مشاغل شباب رواد وقضاياهم، وأن تسلط الضوء على القضايا الاجتماعية والبيئية والثقافية المهمشة، بما يكرس مفهوم «ثقافة القرب».
دورة بلال الخليفي.. استمرارية التجربة
حملت دورة 2026 اسم الفنان بلال الخليفي، واختارت الفنانة فاطمة بن سعيدان رئيسة شرفية لها. وقد قدم المنظمون هذا الاختيار باعتباره امتداداً لفكرة تكريم الشخصيات التي ترى في الفن فعلاً ثقافياً وإنسانياً وليس مجرد فرجة.
وانطلقت الدورة بندوة فكرية حول مبادرات كسر الحصار على غزة، ثم توزعت الأنشطة على عروض موسيقية وراب ومسرح وورشات وماستر كلاس ولقاءات حوارية ومسابقات. وبعد اختتام الدورة، واصلت إدارة المهرجان نشر نتائج المسابقات، ومنها مسابقة صناعة محتوى رقمي مناهض للإدمان، بما يؤكد حضور البعد التكويني والإنتاجي إلى جانب العرض.
تجربة صغيرة في الحجم، واسعة في الدلالة
تكشف مسيرة «تويزة» خلال خمس دورات عن تجربة لا تقاس فقط بعدد العروض أو حجم التمويل أو شهرة الأسماء المشاركة. أهميتها تكمن في أنها حاولت إنشاء فعل ثقافي من داخل منطقة تعاني نقصاً في المرافق الثقافية والشبابية، وأن تجعل أبناء المنطقة جزءاً من التنظيم والإنتاج والمشاركة لا مجرد متلقين.
وإذا كان المهرجان قد اختار لنفسه موقعاً «من الهامش وإلى الهامش»، فإن استمرار التجربة لخمس دورات يكشف أيضاً قدرة المبادرات المدنية والشبابية على خلق مواعيد ثقافية خارج المسارات التقليدية. وفي المقابل، تظل هذه التجارب مرتبطة بقدرتها على الاستمرار وتوفير الموارد والشراكات الضرورية، وهي مسألة لا يمكن فصلها عن النقاش الأوسع حول العدالة الثقافية وتكافؤ النفاذ إلى الثقافة بين المركز والجهات والأحياء الشعبية.
وفي هذا المعنى، تبدو «تويزة» أكثر من مهرجان صيفي للهواة: إنها تجربة في ثقافة القرب، والتطوع، والتكوين، والمشاركة الشبابية، وربط الفن بالأسئلة الاجتماعية. وقد تكون قيمتها الأساسية أنها حاولت إثبات أن نقص الإمكانيات لا يعني بالضرورة غياب الفعل الثقافي، وأن الحي الشعبي يمكن أن يكون منتجاً للثقافة، لا مجرد فضاء ينتظر وصولها من خارجه.

