منية كواش
30 جويلية 2026
صادق مجلس نواب الشعب التونسي على مقترح القانون المتعلق بالفنان والمهن الفنية (عدد 55/2023)، وصدر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية تحت عدد 8 لسنة 2026 وحظي بقبول إيجابي في الغالب في الوسط المهني الذي يتطلّع إلى استكماله بالنصوص التطبيقية التي ستسمح بدخوله حيز التنفيذ كما تم تسجيل مواقف نقدية عبّرت عن تخوّفها من “سطوة الرقابة الإدارية” تحت غلاف تقنين النشاطات الفنّية، التي قد تعيق حرّية التعبير.
ومتابعة لإعداد النصوص الترتيبية، أشرفت وزيرة الشؤون الثقافية السيدة أمينة الصّرارفي اليوم الأربعاء 08 جويلية 2026، بمقرّ الوزارة، على جلسة عمل خاصة “بنظام التغطية الاجتماعية للفنانين التونسيين وكيفية تطويرها”.
العمل على النصوص التطبيقية
وتناول اللقاء مسألة “تحسين وتطوير إجراءات الحصول على المنحة الشهرية والمساعدات الظّرفية المسندة إلى مستحقيها في إطار رؤية تشاركية تراعي مصلحة الفنان بطرق مرنة ومنصفة”، من ذلك اعتماد شهادة تثبت انتماء الفنان للمجال الثقافي في حالة تعذّر عليه الاستظهار ببطاقة الاحتراف الفني للتمتّع بحقه في التغطية الاجتماعية، وهو إجراء يستهدف فئة الكبار في السن بالأساس.
وتوقّفت السيدة الوزيرة على أهمية “التّسريع في اعتماد المنصة الرقمية الموحّدة في مجال التغطية الاجتماعية، واعتماد مقاييس واضحة لاختيار المستفيدين من المنحة الشهرية أو المساعدات الشهرية”.
كما تناول اللقاء مسألة الجانب التشريعي وأهميته في الدفع بعملية تنظيم مسألة التغطية الاجتماعية للفنّانين عبر اعتماد النّصوص التّطبيقية الخاصّة بقانون الفنّان ودورها المنتظر في تغيير واقع الفنان وانتظاراته، مع التنصيص على أهمية ضمان حقوق المؤلف والحقوق المجاورة في حماية الحقوق المادية للفنانين عند عرض أعمالهم على المنصّات وفي التلفزات والاذاعات العمومية والخاصة واتخاذ الإجراءات الفعلية لتحقيق ذلك.
ماهي أهم أهداف قانون الفنّان؟
يهدف القانون المتعلق بالفنان والمهن الفنية إلى إرساء إطار قانوني حديث ينظم القطاع الفني بمختلف مكوناته، ويحدد حقوق الفنانين والعاملين في المهن الفنية وواجباتهم، بما يواكب التحولات المهنية والتكنولوجية التي يشهدها المجال الثقافي.
ويندرج هذا القانون ضمن أحكام الدستور التونسي والمواثيق الدولية، وخاصة توصيات اليونسكو المتعلقة بحماية الفنان وضمان حرية الإبداع والتعبير الثقافي، مع الحفاظ على الثقافة الوطنية وحماية الإنتاج الفكري والفني.
كما يسعى إلى إنهاء هشاشة القطاع الفني عبر الانتقال من منطق الرعاية الظرفية إلى منطق المأسسة والاعتراف بالفنان كفاعل ثقافي واقتصادي، من خلال:
• تنظيم المهن الفنية وتحديد الوضعيات المهنية للعاملين بها.
• دعم حرية الإبداع والإنتاج الفني الوطني.
• تعزيز الحماية الاجتماعية والاقتصادية للفنانين عبر آليات للتغطية الاجتماعية والتأجير العادل.
• تشجيع الصناعات الثقافية والاقتصاد الإبداعي باعتبارهما رافعة للتنمية الثقافية والاقتصادية.
• حماية الموروث الثقافي الوطني وتكريس الحوكمة التشاركية والعمل النقابي.
ويأتي هذا القانون استجابة لوضعية سابقة اتسمت بـتشتت النصوص القانونية وتقادمها، إذ يعود بعضها إلى سنة 1969، إضافة إلى قصور منظومة الضمان الاجتماعي الحالية عن توفير تغطية ملائمة للعاملين في المهن الفنية.
ويُقدَّم هذا التشريع باعتباره خطوة نحو إنصاف الفنان التونسي وردّ الاعتبار للقطاع الثقافي وتعزيز دور الثقافة في دعم الهوية الوطنية والتنمية والإشعاع الحضاري لتونس.
المسار التشريعي والمصادقة
انطلقت صياغة مشروع قانون الفنان سنة 2016 بمبادرة من وزارة الشؤون الثقافية، حيث أُعدّت أولى مسوداته بإشراف لجنة قانونية برئاسة المحامي أحمد بن حسانة، ثم عُرضت على الفنانين وأُثريت عبر مشاورات واسعة مع مختلف مكونات القطاع. واستمر تطوير المشروع بين 2016 و2021، وتعاقبت عليه عدة وزارات، وشهد ورشات متخصصة واستشارات مع النقابات والاتحادات والجمعيات المهنية، إلى أن أُنجزت صيغة نهائية أُحيلت إلى مجلس نواب الشعب، غير أن تعليق أعمال البرلمان في 25 جويلية 2021 أوقف مساره.
وبعد انتخاب البرلمان الجديد، أعيد طرح المشروع في إطار مبادرة تشريعية تبنتها مجموعة من النواب، وأخضع لجلسات استماع ونقاش داخل لجنة السياحة والثقافة والخدمات والصناعات التقليدية، قبل أن يصادق عليه مجلس نواب الشعب يوم 12 ماي 2026 بأغلبية 76 صوتًا مع احتفاظ نائب واحد ودون أي رفض.
وصدر القانون بالرائد الرسمي في 14 ماي 2026 تحت عدد 8 لسنة 2026، ويتكون من 45 فصلًا. وخلال مناقشته، أكدت جهة المبادرة أن البطاقة المهنية أداة لتنظيم القطاع لا للرقابة، وأن القانون يهدف إلى تعزيز الحماية الاجتماعية، ومواكبة التطورات التكنولوجية، والاعتراف بمختلف المهن الفنية والتقنية المرتبطة بالقطاع.
ما هي أهم إضافات قانون الفنّان؟
يمثل قانون الفنان والمهن الفنية إطارًا تشريعيًا جديدًا يهدف إلى تنظيم القطاع الفني في تونس وتكريس الاعتراف بالفنان باعتباره فاعلًا ثقافيًا واقتصاديًا، من خلال ضبط حقوقه وواجباته وتوفير حماية قانونية واجتماعية تتلاءم مع خصوصية العمل الفني. ويقوم القانون على مبادئ أساسية، أبرزها ضمان حرية التعبير والإبداع، حماية حقوق التأليف والحقوق المجاورة، وتمكين الفنان من الامتيازات والحوافز الاجتماعية والجبائية، إلى جانب ضمان الحق في أجر عادل.
ويعتمد القانون تصنيفًا جديدًا للفنانين من خلال التمييز بين الفنان المحترف المتفرغ، والمحترف غير المتفرغ، والفنان غير المحترف، كما يضبط شروط الحصول على البطاقة المهنية للفنان والعاملين في المهن الفنية. وتشمل هذه المهن مختلف الاختصاصات المرتبطة بالإبداع الفني، من التأليف والأداء إلى المهن التقنية والإدارية المساهمة في إنتاج الأعمال الفنية أو تثبيتها أو تقديمها للجمهور، بما يشمل مجالات الموسيقى والسينما والفنون السمعية والبصرية والتشكيلية والأدب وفنون الشارع وغيرها.
ومن أبرز المستجدات التي جاء بها القانون إقرار العقد الفني كإطار قانوني ينظم العلاقة بين الفنان والجهات المنتجة، ويحدد الحقوق والالتزامات المهنية والمادية للأطراف المتعاقدة. كما أرسى نظامًا للحماية الاجتماعية يراعي طبيعة النشاط الفني الذي يتسم غالبًا بعدم الاستقرار وتقطع فترات العمل، سواء تعلق الأمر بالفنانين أو التقنيين أو الإداريين العاملين في المجال الثقافي. وينص القانون كذلك على آليات دعم الفنان عند الانقطاع المؤقت عن النشاط، واقتراح موارد جديدة لتمويل هذه المنظومة، من بينها طابع المساهمة الفنية.
وفي إطار دعم الإنتاج الثقافي الوطني، فرض القانون نسبًا دنيا لبث المصنفات التونسية في وسائل الإعلام السمعية والبصرية العمومية والخاصة، حيث تخصص 60 بالمائة على الأقل من البث للأعمال الوطنية، مع تخصيص 20 بالمائة منها على الأقل للإنتاجات الجديدة، إضافة إلى ضرورة بثها خلال فترات الذروة. كما أقر آلية “النسبة الفنية” التي تتيح إدماج الأعمال الفنية في المشاريع العمرانية العمومية عبر تخصيص جزء من ميزانياتها لاقتناء أو إنجاز أعمال فنية.
كما يواكب القانون التحولات الحديثة بإدراج الفنون الرقمية والذكاء الاصطناعي ضمن المجالات الفنية، وينظم مشاركة الفنانين الأجانب وفق مبدأ المعاملة بالمثل وحماية حقوق الملكية الفكرية. ويعزز كذلك دور المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة في حماية المبدعين وضمان حصولهم على مستحقاتهم.
ولضمان احترام أحكامه، تضمن القانون نظامًا للعقوبات المالية ضد المخالفات المرتبطة بتنظيم العروض الفنية، واحترام شروط ممارسة النشاط، والالتزامات المتعلقة ببث الأعمال الوطنية، حيث تتراوح الخطايا حسب طبيعة المخالفة وخطورتها، مع مضاعفة العقوبات في حالات العود.
وبذلك يشكل القانون محاولة لإعادة تنظيم القطاع الفني على أسس مهنية واضحة، والانتقال بالفنان من وضعية الهشاشة إلى وضعية قانونية تعترف بدوره في التنمية الثقافية والاقتصاد الإبداعي.
ردود فعل الفنانين
رافق الفنانون والهياكل المهنية مشروع قانون الفنان والمهن الفنية منذ بداياته، باعتباره استجابة منتظرة لوضعية الهشاشة التي يعيشها القطاع منذ سنوات. وقبل المصادقة عليه، اعتبر المشاركون في اليوم الدراسي المنعقد سنة 2025 أن وصول المشروع إلى هذه المرحلة يمثل ثمرة مسار امتد لعشر سنوات، وأن تمريره سيكون محطة تاريخية في تنظيم المهن الفنية والاعتراف بدور الثقافة في بناء المجتمع وتعزيز الهوية الوطنية.
وأكد ممثلو الهياكل المهنية أن القانون يمثل فرصة للانتقال من وضعية العمل غير المنظم إلى الاعتراف بالفن كمهنة، وتوفير حماية اجتماعية ومهنية للفنانين. غير أنهم أثاروا في المقابل جملة من التحفظات، من بينها غموض بعض آليات التمويل، وضعف ضمانات دعم الفنان خلال فترات الانقطاع عن العمل، وغياب نصوص أكثر صرامة لحماية مستحقات الفنانين، إضافة إلى المطالبة بإشراك أكبر لأهل القطاع في صياغة السياسات الثقافية. كما انتقد بعض الفنانين الخلط بين حرية الإبداع ومجالات التنظيم الإداري، والتحفظ على مركزية القرار داخل الهياكل الوزارية.
وفي جوان 2025، عبّرت نقابة المهن الموسيقية والمهن المجاورة عن تمسكها بتسريع المصادقة على المشروع، معتبرة أنه طال انتظاره وأنه يمثل مدخلًا لإنهاء سنوات من التهميش وتحسين الوضع الاجتماعي والتنظيمي للعاملين في القطاع.
بعد مصادقة مجلس نواب الشعب على القانون في ماي 2026، سادت أجواء من الترحيب داخل الوسط الفني، حيث اعتبره عدد من الفنانين تتويجًا لمسار طويل من النضال من أجل الاعتراف بحقوق المبدعين. ووصف المحامي أحمد بن حسانة المصادقة بأنها تتويج لعشر سنوات من العمل والنقاشات المتواصلة، فيما اعتبرت الفنانة سهام مصدق القانون مكسبًا لجميع الفنانين بمختلف اختصاصاتهم، كما عبّر صاحب فضاء الريو الثقافي الخاص، السيد حبيب بالهادي في تصريح إلى موقع نواة عن ابتهاجه بصدور القانون الذي طال انتظاره.
ورحّب الفاعلون في الحقل الثقافي على الأغلب، خصوصًا بتوسيع تعريف الفنان ليشمل مختلف المتدخلين في العمل الفني، واعتماد العقد الفني، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وفرض نسب دنيا لبث الأعمال التونسية، وإدراج الفنون الرقمية والذكاء الاصطناعي ضمن المهن الفنية. ومع ذلك، شددوا على أن نجاح القانون يبقى مرتبطًا بسرعة إصدار النصوص التطبيقية وضمان تفعيله الفعلي على أرض الواقع.
ولم تخلو بعض ردود الفعل من التعبير على تخوّف بعض الفنانين على حرّية التعبير وحرّية الممارسة الثقافية خاصّة أمام العقوبات المالية التي ستطال منظّمي الحفلات غير النظاميين.
وانتقد المسرحي توفيق الجبالي في بيان كان له صداه في الوسط الفني، ما اعتبره “خرقاً للمبادئ الدستورية”، مشيراً إلى أنّ إخضاع ممارسة الفن لترخيص إداري مسبق يمثل، وفق تقديره، “التفافاً على الحق الدستوري في العمل وفي التعبير الحر”.
وهاجم الجبالي الفصل العاشر من القانون، الذي ينص على اشتراط “البطاقة المهنية” لممارسة النشاط الفني بصفة محترفة، معتبراً أنّ الفن “مهنة حرة بطبيعتها” ولا يمكن أن يخضع، بحسب تعبيره، إلى “تصنيف إداري أو لجان تابعة للسلطة التنفيذية”.
✍️ منية كواش

