ينظر مخطط التنمية 2026–2030 الذي تمت المصادقة عليه في مجلس النواب في جويلية 2026، إلى الثقافة باعتبارها رافعة للتنمية وفضاء للابتكار، ولم تعد وظيفتها تقتصر على الإسناد الرمزي أو الترفيه، بل أصبحت مرتبطة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية وبإشعاع تونس دوليا. ويقوم التوجه الثقافي للمخطط على أربعة عناصر مترابطة: تحويل الثقافة إلى قطاع اقتصادي ومجال للابتكار، حماية التراث ورقمنته، توسيع النفاذ إلى الثقافة ودعم البنية الثقافية، وتعزيز الإشعاع الثقافي الدولي.
تحويل الثقافة إلى قطاع اقتصادي ومجال للابتكار يترجم توجه المخطط نحو تطوير الصناعات الثقافية والإبداعية والاقتصاد البرتقالي الذي يشمل الأنشطة التي تنتج سلعاً وخدمات ذات قيمة فكرية وثقافية ومحتوى إبداعي، واستثمار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية، مع تطوير آليات التمويل وتشجيع المؤسسات والمبادرات الخاصة. أما حماية التراث ورقمنته فتشمل مواصلة جرد ورقمنة المجموعات والمواقع والوثائق، وتطوير استعمال الذكاء الاصطناعي، ودعم البحث والترميم والتثمين الاقتصادي للتراث. ويقترن ذلك بـتوسيع النفاذ إلى الثقافة ودعم البنية الثقافية عبر المكتبات ودور الثقافة والمبادرات الموجهة إلى الشباب والجهات الداخلية والفئات الهشة، وبـتعزيز الإشعاع الثقافي الدولي من خلال الترويج للمحتوى والفنون والمهرجانات والتراث التونسي وربطها بالسياحة الثقافية والتعاون الدولي.
تحويل الثقافة إلى قطاع اقتصادي ومجال للابتكار
لا يكتفي المخطط بالنظر إلى الثقافة باعتبارها مجالا لإنتاج الأعمال الفنية والأدبية أو تنظيم التظاهرات، بل يربطها بصورة أوضح بالاقتصاد. ويظهر ذلك من خلال التركيز على الصناعات الثقافية والإبداعية باعتبارها مجالا يمكن أن ينتج الثروة ويدعم التشغيل ويفتح فرصا أمام أصحاب المشاريع والمبدعين.
ويرتبط هذا التوجه بما يسميه المخطط الاقتصاد البرتقالي، بما يعني توسيع النظرة إلى الثقافة لتشمل القيمة الاقتصادية المتأتية من الإبداع والمحتوى والملكية الفكرية ومختلف الأنشطة المرتبطة بالإنتاج الثقافي. وهنا تصبح الثقافة جزءا من الدورة الاقتصادية، وليس قطاعا يعتمد فقط على التمويل العمومي.
ويولي المخطط أهمية خاصة لـالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية. فالتحول الرقمي لا يطرح باعتباره وسيلة تقنية فحسب، وإنما كأداة لتطوير الإنتاج الثقافي وتوسيع انتشاره والوصول إلى جمهور أوسع، مع إمكانية خلق أشكال جديدة من المحتوى والخدمات الثقافية.
كما يبرز التوجه نحو تطوير آليات التمويل وتشجيع المؤسسات والمبادرات الخاصة. ويعني ذلك البحث عن تنويع مصادر تمويل النشاط الثقافي وعدم حصره في الاعتمادات العمومية، مع إتاحة المجال أمام المبادرة الخاصة والشراكات والاستثمار في المجالات التي يمكن أن تحقق قيمة اقتصادية وثقافية في الوقت نفسه.
وبهذا المعنى، فإن تحويل الثقافة إلى قطاع اقتصادي ومجال للابتكار يمثل تحولا في طريقة النظر إلى السياسة الثقافية نفسها: من تمويل النشاط الثقافي والمحافظة على مؤسساته إلى محاولة بناء منظومة اقتصادية وإبداعية قادرة على إنتاج القيمة، واستيعاب التحولات التكنولوجية، وخلق فرص جديدة للمبدعين والمؤسسات الثقافية.
حماية التراث ورقمنته
حماية التراث ورقمنته تمثل العنصر الثاني في التوجه الثقافي لمخطط التنمية 2026–2030، وهي لا تقتصر على المحافظة التقليدية على المعالم والمجموعات التراثية، بل تتجه إلى تحويل الرصيد التراثي إلى مادة موثقة ومؤمنة ومتاحة للاستعمال الثقافي والعلمي والاقتصادي.
ويولي المخطط أهمية لـجرد ورقمنة المجموعات والمواقع والوثائق، بما يسمح بحفظ المعطيات التراثية من مخاطر التلف والضياع، وبناء قواعد بيانات يمكن الرجوع إليها واستعمالها في البحث والتوثيق والتعريف بالتراث التونسي.
وتكتسب الرقمنة أهمية إضافية عندما تقترن بـتطوير استعمال الذكاء الاصطناعي. فالتكنولوجيا تتيح إمكانات جديدة في تصنيف الوثائق والصور والمجموعات، وتسهيل البحث فيها، وإنتاج محتويات رقمية تساعد على تقديم التراث إلى الجمهور بوسائل أكثر جاذبية، خاصة للأجيال الشابة.
ولا ينفصل هذا المسار عن دعم البحث والترميم. فالتوثيق الرقمي لا يعوض حماية الأثر أو المحافظة المادية عليه، وإنما يساندها من خلال توفير المعرفة الضرورية للتدخل العلمي، وتسجيل حالة المعالم والمجموعات، وتيسير متابعة عمليات الصيانة والترميم.
ويطرح المخطط كذلك مسألة التثمين الاقتصادي للتراث. فحماية التراث لا تعني تجميده أو عزله عن الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وإنما يمكن أن تتحول المواقع والمجموعات والعناصر التراثية إلى موارد للتنمية، من خلال السياحة الثقافية والصناعات الإبداعية والمنتجات الثقافية والخدمات المرتبطة بها.
ومن هذا المنظور، يصبح التراث جزءا من المعادلة التنموية التي يقترحها المخطط: حمايةٌ للموروث، ورقمنةٌ للمعرفة المرتبطة به، وبحثٌ لترسيخه علميا، ثم تثمينٌ يسمح بتحويله إلى مصدر للقيمة الثقافية والاقتصادية.
أما العنصر الثالث، وهو توسيع النفاذ إلى الثقافة ودعم البنية الثقافية، فيتعلق بالجانب الآخر من السياسة الثقافية: ليس فقط ماذا تنتج الدولة وتحمي، وإنما كيف يصل هذا الإنتاج الثقافي إلى المواطنين، وبأي مؤسسات ووسائل، وفي أي مناطق وفئات اجتماعية.
توسيع النفاذ إلى الثقافة ودعم البنية الثقافية
توسيع النفاذ إلى الثقافة ودعم البنية الثقافية يمثل العنصر الثالث في التوجه الذي يقترحه مخطط التنمية 2026–2030. ويكشف هذا المحور عن اهتمام بتوسيع قاعدة المستفيدين من النشاط الثقافي، وعدم حصره في المؤسسات أو الفضاءات الموجودة في المدن الكبرى.
وتبرز في هذا السياق أهمية المكتبات ودور الثقافة والمؤسسات الثقافية باعتبارها أدوات أساسية لتنفيذ السياسة الثقافية على المستوى المحلي والجهوي. فالبنية الثقافية ليست مجرد فضاءات لاستقبال الأنشطة، وإنما هي الوسيط الذي يجعل الحق في الثقافة قابلا للممارسة اليومية.
ويولي المخطط اهتماما خاصا بـالشباب والجهات الداخلية والفئات الهشة. ويعني ذلك أن توسيع النفاذ إلى الثقافة يرتبط أيضا بمبدأ العدالة الثقافية، أي تقليص الفوارق في فرص المشاركة والإنتاج الثقافي بين مختلف المناطق والفئات الاجتماعية.
ولا يقتصر هذا التوجه على زيادة عدد الأنشطة، بل يتصل كذلك بتطوير أشكال جديدة من المشاركة الثقافية. فالمؤسسات المحلية يمكن أن تتحول من فضاءات لعرض الإنتاج الثقافي إلى فضاءات تسمح للشباب والمبدعين المحليين بالمبادرة والإنتاج والتكوين، بما يعزز حضور الثقافة في الحياة اليومية للمجتمعات المحلية.
وتطرح هذه الرؤية في الوقت نفسه مسألة البنية الثقافية وقدرتها على الاستجابة للتحولات الجديدة. فالمؤسسة الثقافية مطالبة اليوم بالجمع بين وظيفتها التقليدية في نشر الثقافة وبين استعمال الوسائل الرقمية، واستقطاب جمهور جديد، وإقامة الشراكات، وربط النشاط الثقافي بمحيطه الاجتماعي والاقتصادي.
وبذلك يتجاوز مفهوم النفاذ إلى الثقافة مجرد الوصول إلى عرض أو تظاهرة، ليصبح مرتبطا بإتاحة فرص التلقي والمشاركة والتعلم والإبداع. وهذه النقلة مهمة لأنها تجعل المواطن، وخاصة الشباب في الجهات والفئات الأقل استفادة، طرفا في الحياة الثقافية وليس مجرد متلق لها.
تعزيز الإشعاع الثقافي الدولي
تعزيز الإشعاع الثقافي الدولي يمثل العنصر الرابع والأخير في البناء الثقافي لمخطط التنمية 2026–2030. وهو يربط السياسة الثقافية الداخلية بقدرة تونس على تقديم صورتها الثقافية إلى الخارج، والتعريف بفنونها وتراثها ومحتوياتها الإبداعية.
ويشير هذا التوجه إلى أهمية الترويج للمحتوى والفنون والمهرجانات والتراث التونسي، بما يجعل الثقافة وسيلة للحضور الدولي وليس فقط مجالا للاستهلاك الداخلي. فالإنتاج الثقافي يمكن أن يصبح أحد عناصر القوة الناعمة التي تساهم في التعريف بتونس وبخصوصيتها التاريخية والثقافية.
ويرتبط الإشعاع الثقافي كذلك بـالسياحة الثقافية. فالمواقع التراثية والمهرجانات والفنون والتظاهرات الثقافية يمكن أن تكون عناصر جذب للزائر، كما يمكن للثقافة أن تمنح النشاط السياحي مضمونا يتجاوز الاستهلاك التقليدي للوجهة السياحية.
كما يفتح هذا التوجه المجال أمام التعاون الدولي والشراكات الثقافية، بما يسمح للفنانين والمبدعين والمؤسسات الثقافية التونسية بالانفتاح على شبكات ومؤسسات خارج البلاد، وتبادل الخبرات، والوصول إلى جمهور وأسواق جديدة.
وهنا تلتقي العناصر الأربعة التي يقوم عليها التوجه الثقافي للمخطط: تحويل الثقافة إلى قطاع اقتصادي ومجال للابتكار، حماية التراث ورقمنته، توسيع النفاذ إلى الثقافة ودعم البنية الثقافية، وتعزيز الإشعاع الثقافي الدولي.
ويكشف هذا الترابط عن محاولة لبناء سياسة ثقافية تنظر إلى الثقافة باعتبارها منظومة متكاملة: تنتج القيمة من خلال الصناعات الإبداعية، وتحافظ على الذاكرة من خلال حماية التراث ورقمنته، وتوسع المشاركة من خلال المؤسسات والبنية الثقافية، ثم تنقل هذا الرصيد إلى الخارج عبر الإشعاع والتعاون والسياحة الثقافية.
من سياسة ثقافية إلى منظومة للتنمية
تكشف العناصر الأربعة للمحور الثقافي في مخطط التنمية 2026–2030 عن تحول في النظرة إلى الثقافة. فالمخطط لا يتعامل معها باعتبارها مجالا مستقلا عن بقية القطاعات، وإنما يربطها بالاقتصاد والابتكار والتكنولوجيا، وبحماية الذاكرة الوطنية، وبالعدالة في النفاذ إلى الثقافة، وبقدرة تونس على تعزيز حضورها في الخارج.
ويبرز في هذا التصور انتقال من التركيز على دعم النشاط الثقافي ومؤسساته إلى البحث عن منظومة أكثر اتساعا تجمع بين الإنتاج الثقافي والإبداع والاستثمار والتكنولوجيا. وتصبح الصناعات الثقافية والإبداعية والاقتصاد البرتقالي، إلى جانب الرقمنة والذكاء الاصطناعي، أدوات يمكن أن تساهم في خلق القيمة وفرص العمل وتطوير المحتوى الثقافي.
وفي المقابل، يحافظ المخطط على الوظيفة الأساسية للثقافة باعتبارها حاملة للذاكرة والهوية. لذلك يتكامل حماية التراث ورقمنته مع استثماره علميا وثقافيا واقتصاديا، بما يسمح بتحويل التراث من رصيد يحتاج إلى الحماية فقط إلى مورد يمكن أن يساهم في البحث والتعليم والسياحة والصناعات الإبداعية.
أما توسيع النفاذ إلى الثقافة ودعم البنية الثقافية فيضع البعد الاجتماعي في قلب هذه الرؤية. فنجاح السياسة الثقافية لا يقاس فقط بحجم الإنتاج أو عدد التظاهرات، وإنما أيضا بمدى وصول الثقافة إلى الشباب والجهات الداخلية والفئات الهشة، وبقدرة المؤسسات الثقافية على جعل المواطنين مشاركين في الحياة الثقافية.
وتكتمل الصورة مع تعزيز الإشعاع الثقافي الدولي، الذي يمنح الثقافة وظيفة تتجاوز الحدود الوطنية. فالفنون والمحتويات والمهرجانات والتراث يمكن أن تدعم حضور تونس في الخارج، وأن تفتح مجالات جديدة للتعاون والسياحة الثقافية ووصول المبدعين التونسيين إلى فضاءات وجمهور أوسع.
وبذلك يقدم المخطط تصورا للثقافة يقوم على أربعة مسارات متكاملة: إنتاج القيمة والابتكار، حماية الذاكرة وتثمينها، توسيع المشاركة والعدالة الثقافية، ثم تحويل الرصيد الثقافي إلى عنصر من عناصر الإشعاع الدولي.
وتبقى أهمية هذا التصور مرتبطة بقدرته على الانتقال من مستوى التوجهات إلى مستوى التنفيذ. فنجاح الثقافة كرافعة للتنمية يتطلب مؤسسات قادرة، وتمويلا متنوعا، وبنية ثقافية متطورة، وشراكات مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، إلى جانب آليات للمتابعة والتقييم تقيس ما يتحقق فعليا.
ومن هذه الزاوية، يمثل مخطط التنمية 2026–2030 إعادة تموقع للثقافة داخل السياسات التنموية للدولة: ليست الثقافة هامشا للسياسة الاقتصادية والاجتماعية، ولا مجرد قطاع للإنفاق العمومي، بل مجال يمكن أن ينتج القيمة ويحمي الذاكرة ويوسع المشاركة ويدعم صورة تونس وإشعاعها. وتبقى المرحلة الحاسمة هي تحويل هذا التصور إلى سياسات وبرامج قابلة للإنجاز والقياس.
(ملاحظة:تم إعداد مادّة الموضوع باعتماد الذكاء الاصطناعي)
✍️ منية كواش

