بعد غياب دام ثماني سنوات عن مهرجان قرطاج الدولي، عادت الفنانة التونسية أمينة فاخت مساء الاثنين 17 أوت 2026 إلى المسرح الروماني بقرطاج، في سهرة احتشد خلالها جمهور غفير من مختلف الأجيال لاستعادة موعد طال انتظاره مع واحدة من أبرز الأصوات في المشهد الغنائي التونسي. وجاء العرض ضمن الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، التي تختتم يوم 19 أوت الجاري.
ومنذ افتتاح السهرة، بدا واضحًا أن أمينة فاخت اختارت ألا تقدم حفلاً غنائيًا تقليديًا، بل عرضًا يقوم على تداخل الغناء والحركة والكوريغرافيا والحضور الركحي. فقد استهلت السهرة بلوحة راقصة صممتها ابنتها ملكة عويج، قبل أن تظهر أمينة فاخت على الركح لتنتقل بين عدد من أعمالها القديمة والجديدة، مستعيدة أغاني راسخة في ذاكرة جمهورها، من بينها «سلطان حبك» و«لا مرة»، إلى جانب أعمال أحدث مثل «مازال بدري» و«آهو جاني» و«جرح المجاريح» و«تشبه السكر».
ولم يكن حضور الفنانة مقتصرًا على الأداء الصوتي، إذ تفاعلت طوال السهرة مع الموسيقى والأغاني بالحركة والرقص، وشاركت في بعض اللحظات عناصر الفرقة الكوريغرافية على الركح، محافظة على ذلك الأسلوب الخاص الذي ارتبط بشخصيتها الفنية منذ سنوات. وهو حضور يقوم على العلاقة المباشرة مع الجمهور بقدر ما يقوم على الإمكانات الصوتية، ويجعل من أمينة فاخت جزءًا من المشهد الركحي لا مجرد صوت في مقدمة الفرقة.
وعلى المستوى الموسيقي، رافق الفنانة عدد من عناصر الفرقة الوطنية للموسيقى، إلى جانب موسيقيين من الجزائر، تحت قيادة المايسترو يوسف بالهاني، في تركيبة جمعت عازفين تونسيين وجزائريين وأسندت للفرقة مهمة مواكبة مختلف مراحل العرض.
وقد بدا الجمهور عنصرًا أساسيًا في نجاح السهرة، إذ امتلأت مدارج المسرح الروماني بمختلف الفئات العمرية. وبينما استعاد الحاضرون الأغاني التي ارتبطت بذاكرتهم، تابعوا أيضًا الأعمال الجديدة التي قدمتها الفنانة، بما عكس قدرة تجربتها على العبور بين أجيال مختلفة والحفاظ على مكانتها في الذاكرة الغنائية التونسية.
أما صوتيًا، فقد أكدت أمينة فاخت خلال السهرة قدرتها على التحكم في مساحات صوتية واسعة وأداء الطبقات والنوتات الصعبة، وهي إحدى السمات التي طبعت تجربتها الغنائية. غير أن خصوصية العرض لم تتأت من الصوت وحده، بل من اجتماع الأداء الغنائي بالحركة والتفاعل مع الفرقة والراقصين والجمهور، وهي العناصر التي شكلت على امتداد السنوات جزءًا من صورتها الفنية.
وقبيل اختتام الحفل، عادت أمينة فاخت إلى الحديث عن مشاريعها الغنائية الجديدة، مشيرة إلى تعاونها مع عدد من الملحنين، من بينهم محمد لسود وأحمد الماجري ومحمد الوافي، بما يؤكد رغبتها في مواصلة إثراء رصيدها بأعمال جديدة وعدم الاكتفاء باستعادة الأغاني التي صنعت شهرتها.
وكانت الفنانة قد تحدثت قبل الحفل عن انتظارها للقاء جمهور قرطاج، فيما أثارت خلال الندوة الصحفية التي سبقت العرض موضوع أجر الفنانين، معلنة أنها ستعمل مستقبلاً على رفع أجرها، ومعتبرة أن العروض التي شاركت فيها سابقًا حققت مداخيل مهمة لوزارة الثقافة مقارنة بما تقاضته من أجور. وقد جاءت هذه التصريحات بالتزامن مع عودتها إلى قرطاج بعد سنوات من الغياب.
وبذلك لم تكن سهرة 17 أوت مجرد عودة فنانة إلى ركح غابت عنه، وإنما بدت أقرب إلى استعادة علاقة طويلة بين أمينة فاخت وجمهورها. فالأغاني القديمة حضرت بقوة، لكن العرض لم يتوقف عند الحنين إلى الماضي، بل فتح مساحة للأعمال الجديدة ولتجربة كوريغرافية تحمل توقيع ابنتها، في محاولة للجمع بين رصيد فني متراكم وحاضر يتطلع إلى مواصلة التجربة.
ومع اقتراب الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي من نهايتها، شكلت سهرة أمينة فاخت واحدة من أبرز المواعيد التونسية الأخيرة في البرنامج، قبل حفل الاختتام الذي تحييه الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي يوم الأربعاء 19 أوت 2026.

