منية كواش
أطلقت جمعية «أصوات نساء» في 12 أوت 2026 منصة إلكترونية متخصصة في رصد وتوثيق جرائم قتل النساء في تونس ومحاولات قتلهن، في مبادرة تسعى إلى توفير قاعدة بيانات موثقة حول هذه الجرائم، والتحقق من المعطيات المتعلقة بها، وإتاحة مادة يمكن للباحثين والباحثات والفاعلين في المجال القانوني والاجتماعي الاستناد إليها في دراسة الظاهرة.
وتحمل المنصة اسم «Féminicides»، وتقدم محتواها بالعربية والفرنسية، مع التركيز على جمع المعطيات والتحقق منها قبل إدراجها. ولا تقتصر المبادرة على تسجيل حالات قتل النساء، وإنما تشمل أيضا محاولات القتل، بما يسمح برصد الظاهرة في مراحلها المختلفة وعدم الاقتصار على الحالات التي انتهت بالوفاة.
وتقول «أصوات نساء» إن الغاية من المشروع هي التوثيق حتى لا تُنسى الضحايا، والرصد من أجل المساهمة في حماية النساء. كما تراهن الجمعية على جعل المعطيات المتوفرة أداة للبحث والتحليل، خصوصا لفائدة المختصين في القانون وعلم النفس والعلوم السياسية، بما يساعد على فهم ظروف هذه الجرائم والعوامل المحيطة بها.
وتأتي هذه المبادرة في سياق تونسي شهد خلال السنوات الأخيرة تنامي اهتمام المجتمع المدني بظاهرة قتل النساء، مقابل استمرار الحاجة إلى بيانات دقيقة ومنتظمة تسمح بمتابعة تطورها وفهم خصائصها. ومن هذه الزاوية، تمثل المنصة الجديدة محاولة لتحويل الأخبار المتفرقة حول جرائم قتل النساء إلى مادة توثيقية منظمة قابلة للبحث والمتابعة.
الخريطة التفاعلية.. مبادرة سبقت المنصة الجديدة
ولا تبدأ جهود التوثيق الرقمي لجرائم قتل النساء في تونس مع منصة «أصوات نساء» الجديدة. فقد شهد نوفمبر 2023 إطلاق خريطة تفاعلية لجرائم قتل النساء بمبادرة من الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، بالشراكة مع جمعيتي «أصوات نساء» و«تقاطع».
وكانت تلك الخريطة محاولة مبكرة لإنشاء فضاء رقمي يجمع الحالات التي يتم توثيقها، ويقدمها بطريقة تسمح بقراءتها جغرافيا وزمنيا. وتضمنت المعطيات المتعلقة بالحالات، بحسب ما توفره المنصة، معلومات عن تاريخ الجريمة ومكانها وعمر الضحية ووضعها العائلي وعلاقتها بالجاني، إلى جانب ظروف الجريمة والمصادر التي استند إليها التوثيق.
توثيق جرائم قتل النساء لحفظ الذاكرة
وتكمن أهمية تلك التجربة في أنها نقلت التعامل مع جرائم قتل النساء من مستوى الخبر المنفرد إلى مستوى قاعدة البيانات التي يمكن من خلالها البحث عن الأنماط المشتركة بين الحالات. فبدلا من أن تبقى كل جريمة خبرا مستقلا مرتبطا بتاريخ وقوعها، يصبح بالإمكان تجميع الحالات ومقارنتها بحسب السنوات والمناطق والأعمار والعلاقات بين الضحايا والجناة وغيرها من المؤشرات.
كما قدمت الخريطة نفسها باعتبارها وسيلة لحفظ ذاكرة الضحايا، إلى جانب وظيفتها التوثيقية والبحثية. وقد اكتسب هذا البعد أهمية خاصة في ظل محدودية البيانات الرسمية المنشورة بصورة منتظمة حول جرائم قتل النساء، وحاجة الباحثين والمنظمات المدنية إلى مصادر تسمح برصد الظاهرة على المدى الطويل.
إطلاق منصة جديدة بعد تجربة الخريطة التفاعلية يؤكد أن الحاجة إلى توثيق جرائم قتل النساء لم تعد مرتبطة بمبادرات ظرفية، وإنما أصبحت جزءا من مسار مدني يسعى إلى بناء ذاكرة رقمية مستمرة للضحايا وإنتاج معطيات يمكن تحديثها واستخدامها في المناصرة والبحث والتوعية.
إبقاء قضية قتل النساء حاضرة في النقاش العام
وتندرج هذه الجهود في سياق أوسع بدأ مع القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، والذي وضع إطارا قانونيا لمواجهة العنف المسلط على النساء. غير أن المنظمات النسوية واصلت التأكيد على أن وجود الإطار القانوني يحتاج إلى آليات فعالة للرصد والوقاية والحماية، وإلى بيانات دقيقة تسمح بتقييم الواقع وقياس مدى نجاعة السياسات المتبعة.
لا تكمن قيمة مثل هذه المبادرات فقط في عدد الجرائم التي يتم تسجيلها، وإنما في تحويل حالات فردية غالبا ما تظهر في الأخبار لفترة قصيرة إلى وقائع موثقة يمكن العودة إليها ودراستها ومقارنتها، بما يساهم في إبقاء قضية قتل النساء حاضرة في النقاش العام وفي مساءلة السياسات المتعلقة بالوقاية من العنف وحماية النساء.
(تمت الاستعانة في إعداد الموضوع بالذكاء الاصطناعي)
✍️ منية كواش

