منية كواش
احتضن مسرح الهواء الطلق بالحمامات، مساء الأربعاء 5 أوت 2026، عرض مسرحية «جاكراندا» للمخرج نزار السعيدي، ضمن فعاليات الدورة الستين من مهرجان الحمامات الدولي، في تجربة مسرحية تمتد على نحو 120 دقيقة، وتضع المتلقي أمام شخصيات أنهكها الانتظار والأحلام المؤجلة، وهي تتخبط بين ركام الماضي وضباب الحاضر بحثا عن مخرج أو سردية جديدة لم تُكتب بعد.
المسرحية من نص ودراماتورجيا عبد الحليم المسعودي، وسينوغرافيا وإخراج نزار السعيدي، وإنتاج المسرح الوطني الشاب سنة 2025. وتدور أحداثها في نهاية العشرية الثانية من الألفية الثانية، داخل فضاء يبدو في ظاهره عاديا ومألوفا: مركز خدمات اتصال يحمل اسم «Tanit Call Center»، لكنه يتحول تدريجيا إلى فضاء رمزي تتقاطع فيه أزمات الشخصيات مع أسئلة أوسع حول الذاكرة والهوية والمصير.
مفارقة التواصل والعزلة
تتقدم شخصيات «جاكراندا» بوصفها موظفين في مركز نداء، لكنها سرعان ما تتجاوز هذه الصفة لتصبح مرآة لجيل كامل، كما تقول الورقة التقديمية للعمل، «لم يرث الوطن بل المأزق». إنها شخصيات عالقة بين ماض مشوّه وحاضر ملتبس، عاجزة عن العثور على معنى تنتمي إليه أو وطن يحتوي قلقها.
ويكتسب اختيار اسم «تانيت» دلالة إضافية، باعتبارها إحدى أبرز رموز الحضارة القرطاجية، المرتبطة بالخصوبة والحماية والأمومة والقداسة. غير أن الاسم يظهر هنا في صورة تجارية معاصرة، بما يفتح بابا للتأويل حول هوية تُفرغ من مضامينها وتتحول إلى مجرد علامة، في مفارقة بين ماض يحمل رموزا مؤسسة للهوية وحاضر يبدو فيه المعنى مهددا بالانهيار.
و يصبح مركز النداء مجازا لوطن يتحول إلى مؤسسة، فيما تتحول نقطة التواصل المفترضة إلى فضاء لانقطاع المعنى، وتجد الشخصيات نفسها في بحث متواصل عن «مخرج» من مأزق يتجاوز الفرد إلى الجماعة.
«جاكراندا»… جمال هش يخفي انكسارا داخليا
يحمل عنوان المسرحية نفسه بعدا رمزيا. فشجرة الجاكراندا، بما تتميز به من جمال وزهور بنفسجية آسرة، تخفي هشاشة داخلية، وهي صورة تتقاطع مع شخصيات العمل التي تبدو من الخارج أسيرة الكلمات الجاهزة والمواقف المعلبة، بينما تخفي في الداخل قلقا وجوديا عميقا.
أما العنوان الإنقليزي للعمل، «Call Center Tragedy»، فيحيل مباشرة إلى الفضاء الذي يحتضن الأحداث، حيث تتقاطع الخطوط الهاتفية مع خطوط الحياة، ويتحول العمل اليومي الرتيب إلى صورة لأزمة الوعي الفردي والجماعي.
سينوغرافيا الظلام والضوء
اختار نزار السعيدي بناء عالم بصري مشحون بالتوتر، يمزج بين العتمة والضوء، والعبث والجد، والألم والسخرية. واستند النص إلى بناء درامي متماسك يقوم على تطور واضح للمشاهد وصولا إلى الذروة والنهاية، بما حافظ على إيقاع العرض رغم امتداده لساعتين.
وتبرز علامة «Exit» بوصفها أحد أهم الرموز البصرية في العرض، فتظهر بالأحمر أو الأخضر تبعا للسياق الدرامي. وإذا كان الأحمر يحيل إلى الاستحالة والاختناق، فإن الأخضر لا يقدم خلاصا مؤكدا بقدر ما يوحي بأمل هش أو حل قد يكون وهميا. وهكذا يتحول «المخرج» من باب للنجاة إلى علامة أخرى على الحصار.
وتبلغ شاعرية الصورة إحدى ذراها في مشهد عنيف تتأزم فيه شخصية ترمز إلى الصمت والعجز عن الكلام، فيما تمطر السماء أزهارا وردية، في إحالة إلى شجرة الجاكراندا. وفي لحظة خاطفة يتجاور الأحمر، بما يحمله من عنف وألم، مع وردية الأزهار، في صورة تختزل مفارقات العمل.
نص فلسفي وفريق شاب
يراوح عبد الحليم المسعودي في نصه بين الفلسفة والشاعرية والنقد الاجتماعي، مستثمرا معجما كثيفا للعنف والقسوة لا باعتبارهما مجرد عناصر للصراع بين الشخصيات، بل بوصفهما أيضا صراعا داخليا وتمزقا يفقد فيه الإنسان صلته بذاته وبالآخر.
ويضم فريق التمثيل حمودة بن حسين، أصالة كواص، أنيس كمون، ثواب العيدودي، حلمي الخليفي، محمد عرفات القيزاني وحسناء غنام، إلى جانب مريم التومي ضمن فريق العمل الشاب. وقد نجح نزار السعيدي في إدارة هذه المجموعة، التي تضم خريجين من مدرسة الممثل والمعهد العالي للفن المسرحي بتونس، في بناء أداء جماعي متماسك.
ويعزز حضور حمودة بن حسين التجربة، بعد حصوله على جائزة أفضل ممثل في الدورة السادسة لمهرجان بغداد الدولي للمسرح، التي انتظمت من 10 إلى 16 أكتوبر 2025.
وتتوزع بقية عناصر العمل بين مساعدة المخرج لينا جردق، والموسيقى لأسامة السعيدي، وإضاءة فيصل صالح، وتوضيب الصوت والفيديو لهاني باللحمادي، وتوضيب الركح لمنير بن يوسف، والملابس لمروى المنصوري، وتوضيب الإنتاج لعدنان العبيدي، والإنتاج لفاطمة المرصاوي، فيما تولت مهى النصري ترجمة النص إلى الإنجليزية.
«جاكراندا» مواجهة مع ذاكرة جماعية مأزومة ووعي فردي عاجز عن الانفلات من أسر الماضي، لتترك المتفرج أمام سؤال الخلاص: هل يمكن تجاوز ما تراكم من الإحباط والبدء من جديد، أم يظل ضوء «Exit» مجرد إشارة بعيدة إلى نفق بلا نهاية؟

