الرئيسيةأخبارمنيرة شابوطو الرمادي.. مؤرخة وباحثة في التاريخ و أستاذة بالجامعة التونسية.

منيرة شابوطو الرمادي.. مؤرخة وباحثة في التاريخ و أستاذة بالجامعة التونسية.

إحتفاءا بمرور 3 سنوات على وفاتها في 22 أكتوبر 2023

منيرة الرمادي شابوطو أستاذة في التاريخ الوسيط في الجامعة التونسية،وواحدة من الوجوه التي رافقت تشكل الجامعة الحديثة ورسخت فيها تقاليد البحث والتأطير والانفتاح على المناهج الجديدة. امتدت تجربتها الأكاديمية لأكثر من نصف قرن، بين التدريس والبحث والإشراف العلمي والمسؤوليات الجامعية، قبل أن تنتهي مسيرتها في 22 أكتوبر 2023 عن سن 81 عاما.

ولدت منيرة الرمادي في تونس يوم 27 أفريل 1942، ونشأت في أسرة من الطبقة الوسطى أولت التعليم أهمية كبيرة. قضت طفولتها الأولى في ماطر، حيث كان والدها يعمل، ثم تابعت دراستها الثانوية بمعهد البنات برادس. وهناك، بحسب الشهادات التي رصدت مسيرتها، بدأت علاقتها الأولى بالتاريخ تتبلور، قبل أن تختار هذا الاختصاص في الجامعة، رغم أن شهادة الباكالوريا التي حصلت عليها كانت في العلوم.

من السوربون إلى الجامعة التونسية

التحقت شابوطو بالجامعة التونسية لدراسة التاريخ، ثم انتقلت إلى جامعة السوربون في باريس لاستكمال تكوينها. وكان احتكاكها بعدد من كبار المؤرخين الفرنسيين، وخصوصا لقاؤها بالمستشرق كلود كاهن، محطة أساسية في توجيه اهتمامها نحو تاريخ المشرق والعالم الإسلامي في العصور الوسطى. وقد قادها هذا المسار لاحقا إلى دراسة المماليك وإلى بناء اختصاص علمي ظل حاضرا في أعمالها لعقود.

بعد حصولها على الإجازة في الآداب سنة 1964، ثم شهادة الدراسات العليا في التاريخ، وشهادة الكفاءة المهنية في التعليم سنة 1966 والتبريز في التاريخ سنة 1967، عادت إلى تونس سنة 1968. بدأت بالتدريس في التعليم الثانوي، ثم التحقت بالجامعة التونسية مساعدة للتعليم العالي، لتنطلق منها رحلة أكاديمية طويلة أوصلتها إلى رتبة أستاذة تعليم عال سنة 1982.

وكان صعودها الأكاديمي متزامنا مع انخراط مبكر في الحياة العلمية للجامعة. فقد شاركت في لجان البحث والإصلاح والانتداب والترقية والهيئات العلمية، وتولت بين 1983 و1990 مهمة منسقة العلوم الإنسانية بمجلس البحث العلمي بوزارة التعليم العالي. كما أصبحت عضوا بالمجلس الأعلى للبحث العلمي والتقني منذ سنة 2009.

المؤرخة التي وسعت حدود اختصاصها

اختصاص شابوطو الأساسي كان التاريخ الوسيط، وبصفة خاصة تاريخ مصر في العصر المملوكي والعالم الإسلامي. وكانت أطروحة دكتوراه الدولة التي ناقشتها سنة 1993 بجامعة آكس أون بروفانس حول المماليك امتدادا لمسار بحثي بدأ منذ لقائها بكلود كاهن. وتظهر أعمالها المنشورة في قواعد علمية دولية اهتمامها بتاريخ مصر المملوكية، وإفريقية، والعالم المتوسطي والمدن الإسلامية.

لكنها لم تحصر التاريخ في الحدود التقليدية للتخصص. فقد اتجهت إلى العمران والأنثروبولوجيا والتراث الثقافي وتاريخ المرأة والعائلة، واهتمت بالمشرق والمغرب معا. كما اشتغلت على شخصيات وأحداث تتجاوز المجال الأكاديمي الضيق، من ابن خلدون والحسن الوزان إلى كريستوف كولومب وسنة 1492. وكان من سمات مقاربتها محاولة الانتقال من مجرد التسلسل الزمني للأحداث إلى دراسة الظواهر والإشكاليات التاريخية وتداخلاتها.

ويؤكد إنتاجها العلمي هذا التنوع. فقد نشرت دراسة عن تونس في كتاب جماعي حول المدن المتوسطية في العالم الإسلامي الوسيط سنة 2000، كما شاركت في أعمال حول تاريخ المعرفة في تونس، وكتبت مع أستاذ علم الإجتماع عبد الوهاب بوحديبة كتاب «على خطى ابن خلدون» سنة 2006، وأسهمت في الإشراف على «موسوعة القيروان» الصادرة سنة 2010. وتظهر فهارس المكتبة الوطنية التونسية كذلك اسمها مشرفة على عدد من الأطروحات الجامعية في التاريخ والتراث.

«أستاذة الأجيال»

غير أن أثر منيرة شابوطو لم يكن محصورا في الكتب والأبحاث. فقد كانت الجامعة فضاءها الأساسي، وامتدت تجربتها في التأطير إلى أجيال متعاقبة من الباحثين. وتشير موسوعة المرأة التونسية إلى أن عدد الرسائل الجامعية التي أشرفت عليها تجاوز المائة، وأن أولى الرسائل تعود إلى سنة 1974، بينما شملت أعمال التأطير باحثين تونسيين وعربا وطلبة في إطار الإشراف المشترك مع جامعات أجنبية.

ولعل هذه العلاقة الخاصة بطلبتها تفسر حضور عبارة «أستاذة الأجيال» في الكتاب التكريمي الذي صدر عنها سنة 2023، كما تعكسها شهادات بعض طلبتها بعد رحيلها. فقد وصف المؤرخ داود سو، وهو أحد طلبتها وأحد الذين أشرفت على أطروحتهم، علاقته بها بلغة شخصية شديدة الدفء، وقدمها باعتبارها أستاذة ذات حضور إنساني وعلمي ترك أثرا عميقا في طلبتها.

وتتقاطع هذه الشهادة مع صورة أوسع تركتها في الوسط الجامعي. فقد وصفها مصدر توثيقي تابع للكريديف (مركز متخصص في البحوث حول المرأة) بأنها بقيت راسخة في ذاكرة أجيال من الطلبة والجامعيين والإداريين، فيما أشار خبر نعيها المنشور عند وفاتها إلى أنها كوّنت خلال مسيرتها المهنية أعدادا كبيرة من المدرسين في الجامعة التونسية.

من قسم التاريخ إلى «بيت الحكمة»

لم تكن مسؤولياتها الجامعية مقتصرة على التدريس. فقد تولت إدارة قسم التاريخ بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، وأصبحت مديرة للدراسات بدار المعلمين العليا بين 1998 و2002، كما كانت من الأعضاء المؤسسين لمخبر العالم العربي الإسلامي الوسيط بجامعة تونس. وفي سنة 2008 أصبحت أستاذة متميزة بجامعة تونس.

وكانت علاقتها بالمجلة التاريخية «الكراسات التونسية» جزءا آخر من تجربتها العلمية. فقد التحقت بهيئة تحريرها منذ سنة 1972، ثم تولت رئاسة تحريرها في مرحلة من مسيرتها، قبل أن تصبح مديرة لها خلال سنوات لاحقة. كما شاركت في الهيئات العلمية لمجلات دولية، من بينها «القنطرة» الصادرة في مدريد.

وفي سنة 2012 انتقلت تجربتها إلى فضاء «بيت الحكمة»، حيث أصبحت عضوا بالمجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، وتولت رئاسة قسم العلوم الإنسانية والاجتماعية. وهناك واصلت ممارسة دورها كباحثة ومشرفة على الحياة العلمية، ولم تتعامل مع عضوية المجمع باعتبارها خاتمة لمسارها الأكاديمي، بل واصلت الكتابة والمشاركة في النقاشات العلمية. ومن أعمالها في هذه المرحلة مساهمة منشورة حول التغير المناخي والوباء في إفريقية الوسيطة ضمن نشرية «بيت الحكمة» سنة 2021.

المؤرخة خارج أسوار الجامعة

كان حضور شابوطو يتجاوز المؤسسات الأكاديمية إلى المجال الثقافي والمدني. فقد شاركت في جمعيات علمية وثقافية، وكانت من مؤسسي الجمعية التونسية للمؤرخين الجامعيين، كما ارتبط اسمها بأنشطة تعنى بالمرأة والبحث العلمي والعلوم الإنسانية. وترأست أو شاركت في لجان جوائز ثقافية وعلمية، من بينها الجائزة الوطنية «زبيدة بشير» في مجال البحث العلمي باللغة الفرنسية.

كما كانت أستاذا زائرا ومحاضرا في جامعات ومؤسسات بحث خارج تونس، وشملت هذه المشاركات مؤسسات في فرنسا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة ولبنان ومصر والمغرب وهولندا، فضلا عن علاقاتها العلمية المستمرة بعدد من الجامعات ومراكز البحث الأوروبية والعربية.

ولم تكن قضايا المجتمع بعيدة عن اهتمامها. فقد شاركت في النقاش العام حول الحريات الأكاديمية وحقوق المرأة والمواطنة، وظهرت في مناسبات ثقافية وفكرية باعتبارها أستاذة وباحثة ومثقفة. وفي شهادة منشورة بعد رحيلها، استعاد بعض زملائها وطلبتها هذه الجوانب من شخصيتها، إلى جانب صفاتها الإنسانية وانفتاحها على الحوار.

تكريم مسيرة علمية

حملت مسيرة منيرة شابوطو عددا من الأوسمة والجوائز. فقد حصلت على وسام الاستحقاق التربوي سنة 2001، ووسام المجمعيين للأدباء والعاملين على نشر الثقافة الفرنسية سنة 2006، ثم وسام الاستحقاق الثقافي سنة 2007. وفي سنة 2016 نالت جائزة ابن خلدون لتنمية الدراسات والبحوث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ثم حصلت سنة 2020 على درع الاتحاد العام للآثاريين العرب.

ولم تتوقف مظاهر التكريم عند حياتها. ففي 2015 صدرت أعمال مهداة إليها من مخبر العالم العربي الإسلامي الوسيط بجامعة تونس، كما صدرت في السنة نفسها أعمال مشتركة مهداة إليها وإلى المؤرخ عبد الله الشريف. وبعد رحيلها، نظمت «بيت الحكمة» في 29 نوفمبر 2023 أربعينية لتكريمها، وأصدرت كتابا بعنوان «تكريم روح الفقيدة منيرة شابوطو الرمادي» يضم مواد تذكارية وعلمية عنها.

توفيت منيرة شابوطو الرمادي في 22 أكتوبر 2023، لكنها تركت وراءها أكثر من قائمة مناصب أو ببليوغرافيا أكاديمية. فقد تركت جيلا من الباحثين والجامعيين الذين مروا عبر دروسها وتأطيرها، ومكتبة من الدراسات حول التاريخ الوسيط والتراث والعمران، وحضورا في مؤسسات البحث والنشر العلمي. وربما تكمن أهميتها بالنسبة إلى تاريخ الجامعة التونسية في الجمع بين المؤرخة الباحثة، والأستاذة المؤطرة، والمسؤولة الجامعية، والمثقفة المنفتحة على قضايا مجتمعها، وهي أدوار ظلت تمارسها على امتداد مسيرة استمرت أكثر من خمسين عاما.

(ملاحظة:تم الّجوء إلى الذكاء الاصطناعي لتجميع مواد هذا الموضوع).

spot_img

أبرز التصنيفات