الرئيسيةأخبارالدورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقية:الموسيقى مجال للإبداع والتبادل والإدماج.

الدورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقية:الموسيقى مجال للإبداع والتبادل والإدماج.

منية كواش، صحفية مستقلة.

اختتمت يوم 10 أكتوبر 2026 بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي بالعاصمة فعاليات الدورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقية، التي انتظمت من 3 إلى 10 أكتوبر، بسهرة أحيتها الفنانة السورية فايا يونان، وتوّجت ثلاث مجموعات موسيقية ناشئة هي Midnight Pin وGultrah وAltf4، بجائزة تتمثل في تنظيم جولات فنية بعدد من المناطق التونسية.

وقدّمت الدورة برمجة جمعت بين العروض الموسيقية واللقاءات المهنية والأنشطة التكوينية، في توجه يسعى إلى تجاوز صيغة التظاهرة القائمة على العروض والجائزة، نحو فضاء يتيح للفنانين والمنتجين والمبرمجين فرص الالتقاء والتعاون وتطوير المشاريع الموسيقية.

تنوّع موسيقي وانفتاح على تجارب مختلفة

اختارت أيام قرطاج الموسيقية لهذه الدورة 26 عرضا من بين 378 مشروعا مترشحا، بمشاركة فنانين من بلدان متعددة، وتوزعت الأنشطة على ثمانية فضاءات، من بينها مسارح مدينة الثقافة وشارع الحبيب بورقيبة. كما ضم البرنامج حفلات كبرى جمعت تجارب موسيقية عربية ودولية، من بينها عروض للفنانة المغربية أوم (Oum )، والفرقة الأردنية «جدل»، ومجموعة «لاباس»، إلى جانب عرض الاختتام لفايا يونان.

ولم يقتصر هذا التنوع على تعدد الجنسيات، بل شمل تداخل الأنماط الموسيقية والتعبيرات الفنية. فقدّم عرض «لاباس» تجربة تمزج الشعبي الجزائري والرومبا والفلامنكو والموسيقى الإفريقية، فيما استلهمت الفنانة المغربية ليلى شاكر التراث الغنائي المغربي، وجمعت مجموعة «بروَّ» فنانين من خلفيات ثقافية مختلفة حول مشروع فني ينطلق من القضايا الإنسانية المشتركة.

وتعكس هذه الاختيارات إمكانات الموسيقى في تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، وفتح المجال أمام الجمهور التونسي لاكتشاف تجارب متنوعة، كما تتيح للفنانين التونسيين الاحتكاك بمقاربات فنية مختلفة، بما قد يفضي إلى تعاونات ومشاريع جديدة.

المواهب الناشئة والاستمرارية الفنية

ظلّ دعم الفنانين والمجموعات الناشئة أحد أبرز رهانات الدورة. ولم تقتصر المبادرة على انتقاء المشاريع وتقديمها للجمهور، بل امتدت إلى تخصيص جولات فنية للفائزين الثلاثة في عدد من الجهات، ضمن قسم «أيام قرطاج الموسيقية في الجهات». وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من سعيها إلى نقل المواهب من فضاء العرض في العاصمة إلى جمهور أوسع، وإتاحة فرص إضافية للتعريف بإنتاجاتها.

ويطرح هذا التوجه مسألة الاستمرارية بوصفها أحد التحديات الأساسية أمام الموسيقيين الشباب. فالمشاركة في مهرجان مهم قد تمنح الفنان فرصة الظهور، لكنها لا تكفي وحدها لبناء مسار مهني مستقر، ما لم تتبعها عروض أخرى وفرص إنتاج وتوزيع وتواصل مع المبرمجين والمنتجين.

ومن هنا تبرز أهمية أن تتحول الجوائز والتكريمات إلى بداية لمسار متواصل، وأن تتوفر للمواهب الصاعدة آليات متابعة تساعدها على تطوير مشاريعها والوصول إلى فضاءات جديدة. وتمثل الجولات في الجهات خطوة في هذا الاتجاه، فيما يبقى أثرها مرتبطا بمدى استمراريتها وقدرتها على فتح فرص فعلية أمام الفنانين.

التكوين واللقاءات المهنية: نحو صناعة موسيقية أكثر ترابطا

لم تقتصر الدورة على الجانب الفني، إذ احتضنت ستة لقاءات مهنية تناولت قضايا من بينها تأليف موسيقى الأفلام، والذكاء الاصطناعي، ومكانة الفنان الناشئ في برمجة المهرجانات. كما انتظمت ورشة للجاز بالشراكة مع تجمع Marseille Jazz Collective، وتواصلت خمسة أيام، متضمنة أكثر من أربعين ساعة من التكوين ومشاركة أكثر من أربعين شخصا.

وتبرز هذه الأنشطة أهمية ربط الممارسة الفنية بالمعرفة المهنية والتقنية، في ظل التحولات التي يشهدها القطاع الموسيقي، من أساليب الإنتاج والتسجيل إلى التوزيع الرقمي وحقوق المؤلف وتطور أدوات صناعة الموسيقى.

كما وفرت اللقاءات المهنية فرصة للتواصل بين الفاعلين التونسيين ونظرائهم من الخارج. وشارك في هذه اللقاءات 23 مهنيا من الخارج و80 مهنيا من تونس، إلى جانب تخصيص 12 جناحا للتواصل والتشبيك بين العاملين في القطاع.

وتؤكد هذه الأرقام أهمية البعد المهني في التظاهرة، باعتباره مكمّلا للعروض الفنية، إذ لا تقتصر صناعة الموسيقى على الإبداع والأداء، بل تشمل أيضا الإنتاج والترويج والتوزيع وإدارة المشاريع وبناء العلاقات التي تسمح للأعمال بالوصول إلى جمهور أوسع.

الموسيقى حق للجميع

حمل حفل الافتتاح رسالة إنسانية وإدماجية، تمحورت حول قدرة الموسيقى على تغيير حياة الإنسان، مع اعتماد لغة الإشارات لتمكين فئات أوسع من متابعة فقراته. كما برمجت الدورة عروضا في المؤسسات السجنية ومراكز الإصلاح تحت شعار «نفس… إيقاع الحرية»، في محاولة لتوسيع مجال الانتفاع بالفعل الثقافي خارج الفضاءات المعتادة.

وتعكس هذه المبادرات تصورا للثقافة لا يحصرها في الترفيه أو في جمهور يرتاد المسارح وقاعات العروض، بل ينظر إليها باعتبارها حقا في المشاركة والتعبير والتواصل. غير أن تكريس هذا البعد يقتضي استمرارية البرامج الإدماجية وتطويرها، حتى لا تظل مرتبطة بمواعيد المهرجان وحدها.

وفي المحصلة، قدّمت الدورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقية مزيجا من العروض المتنوعة والتكوين واللقاءات المهنية ومبادرات توسيع الجمهور. وتكمن أهمية هذه المقاربة في ربط الاحتفاء بالموسيقى بالعمل على تطوير شروط إنتاجها وانتشارها، ودعم المواهب الجديدة وتعزيز حضورها في الجهات.

ويبقى الرهان الأبرز هو تحويل فرص اللقاء والتكوين والعرض إلى مسارات مستدامة، بما يجعل أيام قرطاج الموسيقية أكثر من موعد سنوي، ويعزز دورها في بناء مشهد موسيقي تونسي منفتح على التجارب الدولية، وقادر في الوقت نفسه على اكتشاف طاقاته الجديدة ومرافقتها.


منذر فلاح المدير الفني للدورة 11:حصيلة الدورة الحادية عشرة بالأرقام 

  • 20 ألف زائر استقبلتهم مختلف فضاءات مدينة الثقافة على امتداد أسبوع المهرجان.
  • 26 عرضا موسيقيا مختارا ضمن البرمجة.
  • 9 حفلات فنية.
  • أكثر من 220 موسيقيا مشاركا.
  • أكثر من 20 دولة ممثّلة في التظاهرة.
  • سهرة إضافية للفرقة الأردنية «جدل»، استجابة لإقبال الجمهور.
  • أكثر من 40 مشاركا في الدورة الأولى من ورشة الجاز.
  • 5 أيام مدة ورشة الجاز.
  • أكثر من 40 ساعة من الدروس والتدريبات في ورشة الجاز.
  • لقاءات مهنية انتظمت خلال الدورة. 23 مهنيا من الخارج شاركوا في اللقاءات المهنية.
  • 80 مهنيا تونسيا شاركوا في هذه اللقاءات.
  • 12 جناحا خُصّصت للتواصل والتشبيك بين الفاعلين في القطاع الموسيقي بمدينة الثقافة.
  • 3 مجموعات موسيقية فائزة بالجائزة المعنوية للدورة: Midnight Pin وGultrah وAltf4، وتتمثل الجائزة في تنظيم جولات فنية لها في عدد من الجهات التونسية.
spot_img

أبرز التصنيفات