منية كواش، صحفية مستقلة.
لم تعد قضية النقل الآمن للعاملات الفلاحيات مجرد مسألة تتعلق بوسائل نقل متهالكة أو بمخاطر الطريق، بل أصبحت قضية حقوقية واجتماعية تتصل مباشرة بالحق في الحياة والسلامة والكرامة والمساواة والعمل اللائق والحماية الاجتماعية. ذلك ما أكدته الندوة المنعقدة بسيدي بوزيد يوم 19 أوت 2026 تحت عنوان «النقل الآمن للعاملات الفلاحيات: مدخل لتعزيز السلامة والصحة المهنية والعمل اللائق»، والتي انتهت إلى دعوة صريحة للانتقال من مرحلة الاعتراف التشريعي بالحقوق إلى مرحلة التنفيذ والمساءلة.
واستحضر المشاركون والمشاركات في الندوة، من ممثلات وممثلي المنظمات والجمعيات والمؤسسات العمومية، أرواح العاملات الفلاحيات اللواتي فقدن حياتهن أثناء التنقل إلى أماكن العمل أو العودة منها، وكذلك مئات المصابات والناجيات من حوادث النقل وظروف العمل غير اللائقة. ووفق المعطيات التي تضمنها «إعلان سيدي بوزيد»، فقد تم تسجيل 94 حادثاً منذ سنة 2015، خلفت 74 حالة وفاة و1093 إصابة متفاوتة الخطورة.
وتكتسب هذه الأرقام دلالتها في ضوء استمرار الحوادث رغم صدور القانون عدد 51 لسنة 2019 المتعلق بإحداث صنف «نقل العملة الفلاحيين»، ثم المرسوم عدد 4 لسنة 2024 المتعلق بنظام الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات. فالمشكلة، كما خلصت الندوة، لم تعد في غياب الاعتراف التشريعي وحده، وإنما في فجوة التنفيذ والتمويل والرقابة والمساءلة.
من النصوص إلى التنفيذ
تضع هذه الخلاصة الدولة أمام مسؤولية متعددة الأبعاد، تبدأ بتنفيذ النصوص ولا تنتهي عند توفير الموارد وآليات الرقابة.
فوزارة النقل مطالبة بتنظيم ومراقبة نقل العملة الفلاحيين، وضمان احترام شروط السلامة، والعمل على توفير أسطول من العربات اللائقة والآمنة. ولا يتعلق الأمر هنا بتحسين وسيلة تنقل فحسب، إذ إن آلاف العاملات يقطعن يومياً مسافات طويلة بين مناطق سكنهن والضيعات الفلاحية في ظل محدودية وسائل النقل العمومي.
أما وزارة الداخلية، فتتحمل مسؤولية مراقبة وسائل النقل غير الآمنة وتطبيق القانون وردع المخالفين. فالرقابة المنتظمة تمثل، في نظر المشاركين، إحدى أهم حلقات الوقاية من الحوادث، ولا ينبغي أن تبدأ بعد وقوع الكارثة.
وتتصل مسؤولية وزارة التجهيز والإسكان بالجانب الآخر من معادلة السلامة: الطريق نفسه. فقد دعت الندوة إلى تأهيل الطرق والمسالك الريفية ذات الخطورة، والتعامل بصورة استباقية مع النقاط التي تكثر فيها الحوادث، إلى جانب وضع خطط للتدخل السريع عند حصول الطوارئ.
العاملة الفلاحية خارج الهامش الاجتماعي
لكن سلامة النقل لا تنفصل عن الوضع الاجتماعي للعاملة الفلاحية. ولذلك احتل محور الحماية الاجتماعية مكانة أساسية في إعلان الندوة.
وطالب المشاركون وزارة الشؤون الاجتماعية بتفعيل الحماية الاجتماعية وآليات التكفل بمصاريف النقل، والتسريع بإحداث السجل الخاص بالعاملات الفلاحيات، بما يتضمنه من بيانات ديموغرافية وصحية وتربوية واجتماعية واقتصادية.
ويكتسي هذا السجل أهمية خاصة لأنه يمثل إحدى ركائز الاعتراف الإداري والقانوني بهذه الفئة من اليد العاملة، ويسمح بتكوين صورة أكثر دقة عن عدد العاملات وخصائصهن وحاجياتهن، وبالتالي بتوجيه السياسات العمومية على أساس معطيات واضحة بدل التعامل معهن باعتبارهن فئة غير مرئية في الإحصاءات والبرامج.
كما طالبت الندوة بتفعيل صندوق الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات وضمان تمويله، بما يتيح تحويل الحقوق التي أقرها المرسوم عدد 4 لسنة 2024 إلى خدمات فعلية.
التمويل شرط للحقوق
ويبرز هنا دور وزارة المالية، إذ لا يمكن لأي منظومة حماية اجتماعية أن تعمل من دون موارد مستقرة وآليات تمويل واضحة.
وقد أُحدث صندوق الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات ضمن قانون المالية لسنة 2025، في إطار منظومة تهدف إلى دعم الحماية الاجتماعية والإدماج الاقتصادي لهذه الفئة. غير أن التحدي، كما برز في النقاشات، يكمن في الانتقال من الإحداث القانوني إلى التفعيل العملي، بما يتطلب استكمال الآليات اللازمة وضمان الموارد التي تسمح للصندوق بأداء وظائفه.
وهنا تتقاطع مسؤولية وزارة المالية مع مسؤولية بقية الهياكل الحكومية، لأن الحماية الاجتماعية لا يمكن أن تبقى التزاماً على الورق إذا لم تُترجم إلى اعتمادات وتمويل وآليات تنفيذ.
الفلاحة والمرأة والصحة: منظومة واحدة
ولا يمكن معالجة وضع العاملات الفلاحيات من زاوية النقل وحدها. فوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري مطالبة بضمان التنسيق ومتابعة واقع العاملات داخل القطاع، باعتبار أن طبيعة العمل الفلاحي الموسمي وتوزع الضيعات ومواقع الإنتاج ترتبط مباشرة بحاجيات النقل والحماية الاجتماعية.
أما وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، فتتمثل مسؤوليتها في إدماج حقوق العاملات الفلاحيات ضمن سياسات المساواة والحماية والتمكين الاقتصادي للنساء، خصوصاً أن هشاشتهن لا ترتبط فقط بالدخل، وإنما تتقاطع فيها ظروف العمل والتنقل والحماية الاجتماعية.
وتتحمل وزارة الصحة بدورها مسؤولية ضمان الرعاية والتكفل بضحايا الحوادث وآثارها الصحية والنفسية. فالحادث لا ينتهي بمجرد إنقاذ المصابة أو علاج إصابتها، إذ يمكن أن يخلف عجزاً دائماً أو آثاراً نفسية واجتماعية واقتصادية تطال المرأة وأسرتها لسنوات.
سيدي بوزيد: من الحادث إلى سؤال السياسة العامة
يحمل اختيار سيدي بوزيد لاحتضان الندوة دلالة خاصة، باعتبارها من الجهات التي يرتبط اقتصادها بقوة بالنشاط الفلاحي، وبالنظر إلى الحضور الكبير للنساء في العمل الفلاحي.
ومن هذه الزاوية، أعادت الندوة وضع قضية النقل في سياق أوسع: فالمشكلة ليست في العربة وحدها، ولا في الطريق وحده، ولا في ضعف الرقابة وحدها، وإنما في سلسلة مترابطة تبدأ من مكان إقامة العاملة وتمتد إلى وسيلة نقلها وطريقها ومكان عملها، ثم إلى وضعها المهني والاجتماعي والصحي.
وهذا الترابط يجعل الحل بدوره متعدد القطاعات. فوزارة النقل لا تستطيع وحدها معالجة المشكلة، كما لا تستطيع وزارة الشؤون الاجتماعية أو وزارة الداخلية أو وزارة التجهيز أو وزارة الأسرة والمرأة القيام بذلك منفردة.
فجوة التنفيذ والمساءلة
ما كشفته الندوة في جوهره هو أن تونس تمتلك اليوم قدراً مهماً من الاعتراف القانوني بحقوق العاملات الفلاحيات، لكن هذا الاعتراف لم يتحول بعد بصورة كاملة إلى حماية يومية.
فالقوانين موجودة، والمرسوم موجود، وصندوق الحماية الاجتماعية أُحدث، لكن المطلوب هو استكمال النصوص الترتيبية، وتفعيل السجل الخاص بالعاملات، وضمان تمويل منظومة الحماية الاجتماعية، ومراقبة وسائل النقل، وتأهيل الطرق والمسالك، وتحديد المسؤوليات بدقة.
ومن هنا جاء تحميل الحكومة ورئاسة الحكومة ومختلف الوزارات والهياكل العمومية المعنية مسؤولية تعطّل تنفيذ النصوص، كل في حدود اختصاصه، والدعوة إلى جعل المساءلة جزءاً من منظومة حماية العاملات.
الحق في السلامة
تضع قضية النقل الآمن في النهاية سؤالاً بسيطاً في صياغته، عميقاً في دلالته: هل تملك العاملة الفلاحية الحق في أن تعود من عملها سالمة كما خرجت إليه؟
إن الإجابة لا تتعلق بالنوايا، وإنما بمدى قدرة الدولة على تحويل الحق في الحياة والسلامة والعمل اللائق إلى سياسات وميزانيات وخدمات ورقابة.
فالعاملات الفلاحيات لسن مجرد يد عاملة موسمية، وإنما فئة أساسية من النساء المساهمات في الاقتصاد الفلاحي والإنتاج الوطني، ومن ثم فإن حماية حياتهن وصحتهن وكرامتهن ليست امتيازاً اجتماعياً، بل حقاً أصيلاً.
حان الوقت للانتقال من الاعتراف بحقوق العاملات الفلاحيات إلى ضمانها فعلياً، ومن تسجيل الحوادث بعد وقوعها والتعاطف الشرعي مع الضحايا، إلى الوقاية منها ومواجهة أسبابها، ومن إصدار النصوص إلى تنفيذها ومساءلة المسؤولين عن تعطيلها، تلك هي الرسالة الأساسية التي خرجت بها ندوة سيدي بوزيد التي حوّلت مشكلة النقل في حد ذاته إلى المطالبة بحق السلامة حين التوجّه إلى العمل.
الطريق إلى العمل ليس طريقا للموت، والنقل الآمن ليس خدمة ثانوية، وإنما أحد الشروط الأساسية للحق في الحياة والعمل اللائق والكرامة.
✍️ منية كواش

