الرئيسيةأخبارالكريديف :النساء والرياضة في تونس بين التتويج وعوائق النفاذ والاحتراف.

الكريديف :النساء والرياضة في تونس بين التتويج وعوائق النفاذ والاحتراف.

منية كواش، صحفية مستقلة.

لم تعد الرياضة النسائية في تونس تُقاس فقط بعدد البطلات والتتويجات التي تحققها الرياضيات في المحافل الدولية، وإنما أصبحت أيضا موضوعا للبحث في شروط النفاذ إلى الممارسة الرياضية، والقدرة على الاستمرار فيها، والوصول إلى الاحتراف ومواقع القرار والإعلام الرياضي. وفي هذا السياق نظم مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة «الكريديف»، يوم الأربعاء 30 سبتمبر 2026، لقاء علميا بعنوان «النساء والرياضة في تونس: تحديات النفاذ ومسارات الاحتراف وقصص النجاح»، شارك فيه باحثون ومختصون ورياضيون وإعلاميون وممثلون عن عدد من الهياكل الوزارية.

وجاء اللقاء في وقت تحقق فيه الرياضة النسائية التونسية حضورا لافتا على المستوى الدولي، إذ أكدت وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن أسماء الجابري أن الفترة المنقضية من سنة 2026 شهدت تتويج 35 رياضية تونسية بـ37 ميدالية ذهبية في المحافل القارية والدولية، من مختلف الأعمار والاختصاصات الرياضية الفردية، مع توجيه تحية خاصة إلى الرياضيات من أصحاب الهمم. وفي المقابل، أظهرت النقاشات أن هذه النجاحات لا تعكس بالضرورة واقع الممارسة الرياضية النسائية على نطاق واسع.

نجاحات لافتة في مقابل ضعف المشاركة

أكدت وزيرة الأسرة، في كلمة ألقاها نيابة عنها المكلف بمأمورية بالديوان أنيس الدلهومي، أهمية ما حققته الرياضيات التونسيات من نجاحات وطنية وإقليمية وقارية ودولية، معتبرة أن الاستثمار في هذه النجاحات يمكن أن يساهم في ترسيخ صور النجاح لدى الناشئة وتحويل البطلات إلى نماذج تشجع الفتيات على ممارسة الرياضة.

لكن النقاش العلمي أبرز في المقابل فجوة واضحة بين رياضة النخبة النسائية وواقع الممارسة الرياضية للنساء والفتيات. فقد أشار الدلهومي إلى أن أكثر من 88 بالمائة من النساء في تونس لا يمارسن الرياضة، وفق نتائج المسح الوطني الثاني حول الممارسات الرياضية والبدنية لدى التونسيين لسنة 2021 الذي أعده المرصد الوطني للرياضة. وهو رقم يضع مسألة النفاذ إلى الرياضة في صلب النقاش حول السياسات العمومية الخاصة بالنساء والفتيات.

وتطرح هذه المعطيات سؤالا يتجاوز التتويجات الرياضية: كيف يمكن الانتقال من نجاح عدد من الرياضيات في الوصول إلى أعلى مستويات المنافسة إلى توسيع قاعدة الممارسة الرياضية لدى الفتيات والنساء، وضمان استمرارهن فيها، ثم فتح الطريق أمام الراغبات في تحويل الرياضة إلى مسار احترافي؟

الجسد والهوية والتمثلات الاجتماعية

ركزت مداخلة أستاذة علم الاجتماع سميرة الولهازي على الجسد والهوية والعلاقات الجندرية، وعلى الطريقة التي تؤثر بها التمثلات الاجتماعية في علاقة المرأة بالرياضة.

وأبرزت أن استمرار المرأة في المجال الرياضي يصطدم بعدة عوائق، من بينها نقص الإمكانيات، وعدم ملاءمة ساعات الدراسة والعمل لمتطلبات النشاط الرياضي، ومشاكل التنقل، وعدم الحصول دائما على التأهيل والتحضير البدني الكافيين، إضافة إلى استمرار حضور العنصر الذكوري بقوة في مواقع التسيير داخل الجمعيات الرياضية.

وتكشف هذه العناصر أن العائق لا يوجد بالضرورة داخل الرياضة نفسها، وإنما يتقاطع مع ظروف الحياة اليومية للنساء والفتيات. فممارسة الرياضة تحتاج إلى وقت وتنقل وإمكانيات وفضاءات وإسناد عائلي ومؤسساتي، وهي شروط قد تصبح أكثر صعوبة عندما تتعارض مع الدراسة أو العمل أو المسؤوليات الأسرية.

من الممارسة إلى الاحتراف

يكشف محور مسارات الاحتراف عن مشكلة أخرى تتجاوز مجرد دخول الفتاة إلى الرياضة، وهي قدرتها على الاستمرار والتقدم داخل المسار الرياضي.

فالانتقال من ممارسة الرياضة إلى المنافسة المنتظمة ثم إلى المستوى العالي يحتاج إلى تدريب متخصص وتأهيل بدني وطبي ومرافقة مستمرة وإمكانات مادية وتنظيمية. وإذا كانت بعض الرياضيات التونسيات استطعن تجاوز هذه العقبات وتحقيق تتويجات دولية، فإن النقاشات التي شهدها اللقاء تشير إلى أن هذه المسارات ليست متاحة بالقدر نفسه لجميع الفتيات.

وفي هذا السياق تبرز أهمية تطوير منظومة الرياضة النسائية داخل الجمعيات والأندية، وضمان توزيع أكثر توازنا للموارد والدعم بين الذكور والإناث، خصوصا في الأندية الصغرى التي تعاني فيها الرياضات النسائية من محدودية الإمكانيات المالية، بحسب ما نقل عن الصحفية المختصة في الرياضة عايدة عرب.

الإعلام الرياضي.. فجوة أخرى

خصص اللقاء حيزا للإعلام الرياضي النسائي، من خلال مداخلة الصحفية عايدة عرب حول «الرياضة النسائية والإعلام الرياضي النسائي: الواقع والتحديات».

وأشارت عرب إلى أن حضور المرأة في الإعلام الرياضي لا يتجاوز 8 بالمائة، في حين تراوحت نسبة النساء الحاملات للإجازة في الرياضة بين 24 و30 بالمائة خلال الفترة الممتدة من 2007 إلى 2023. وترى أن هذه النسبة الأخيرة، رغم أهميتها، لا تنعكس بالقدر نفسه على الحضور الفعلي للنساء في المجال الرياضي والإعلامي.

ويرتبط ضعف الحضور الإعلامي، وفق ما طرح في اللقاء، بمشكلة أوسع تتعلق بمحدودية الاهتمام بالرياضة النسائية مقارنة بالرياضة الرجالية. كما أن ضعف التغطية الإعلامية يمكن أن يؤثر بدوره في قدرة الرياضات النسائية على جذب الجمهور والرعاة والدعم المالي، وفي حضور البطلات كنماذج عامة لدى الفتيات.

صورة الجسد والرفاه النفسي

تناولت مداخلة سندة العياشي «صورة الجسد والرفاه النفسي في ممارسة الرياضة لدى النساء»، وهو محور يفتح النقاش على العلاقة بين ممارسة الرياضة ونظرة المرأة إلى جسدها وصحتها النفسية.

ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة بالنسبة إلى الفتيات والنساء، لأن الرياضة لا ترتبط بالأداء والتنافس فقط، بل يمكن أن تكون أيضا مجالا للصحة والرفاه والثقة بالنفس والاندماج الاجتماعي. وفي المقابل، يمكن للصور النمطية حول الجسد الأنثوي أن تؤثر في علاقة الفتيات بالممارسة الرياضية وفي شعورهن بالقبول داخل الفضاء الرياضي.

ويضع هذا المحور مسألة الرفاه النفسي إلى جانب الأداء البدني، بما يعني أن تشجيع النساء على ممارسة الرياضة لا ينبغي أن ينحصر في اكتشاف البطلات، وإنما يشمل أيضا جعل النشاط البدني فضاء آمنا ومتاحا ومناسبا لمختلف الفئات.

طب الرياضة ومسار الأداء العالي

تناولت حنان جميّل، المديرة العامة للمركز الوطني للطب وعلوم الرياضة، موضوع «الرياضة النسائية وطب الرياضة: اختصاصات، رهانات ومسارات نحو تحقيق الأداء الرياضي».

ويكتسي الطب الرياضي أهمية خاصة في مسار الرياضيات الراغبات في بلوغ المستوى العالي، باعتبار أن الأداء الرياضي لا يعتمد على التدريب وحده، بل يحتاج أيضا إلى المتابعة الطبية والوقاية من الإصابات والتأهيل البدني والتعامل مع الخصوصيات الصحية المرتبطة بمختلف مراحل المسار الرياضي.

ويشير إدراج هذا المحور ضمن اللقاء إلى أن تطوير الرياضة النسائية لا يتعلق فقط بزيادة عدد المشاركات، وإنما ببناء منظومة متكاملة ترافق الرياضية من مرحلة الممارسة والتكوين إلى المنافسة عالية المستوى والاحتراف.

المرأة في مدرجات كرة القدم

أما مداخلة شيراز بلفقيه، أستاذة علم اجتماع الرياضة بالمعهد الأعلى للرياضة والتربية البدنية بقفصة، فتناولت «مشجعة كرة القدم: تداخل مسارات التنشئة الاجتماعية».

ويخرج هذا الموضوع بالنقاش من صورة المرأة باعتبارها لاعبة أو بطلة إلى حضورها باعتبارها مشجعة ومتابعة للرياضة. وهو حضور يتأثر بدوره بالتنشئة الاجتماعية والصور السائدة حول علاقة النساء بكرة القدم والفضاء الرياضي.

وبذلك يصبح السؤال حول المرأة والرياضة أوسع من مجرد المشاركة في المنافسات، ليشمل مختلف أشكال حضورها في المنظومة الرياضية: ممارسةً، واحترافا، وتسييرا، وإعلاما، وتشجيعا، وبحثا أكاديميا.

التوثيق.. بناء ذاكرة للرياضة النسائية

ولم يقتصر اللقاء على النقاش العلمي، إذ نظم «الكريديف» بالتعاون مع مركز التوثيق الوطني معرضا بعنوان «ذاكرة معلّقة: رياضيات وأثر»، قدم نماذج من مسارات الرياضيات التونسيات وما حققنه من نجاحات وتتبعات لمساراتهن الرياضية.

وتكتسب المبادرة أهمية تتجاوز الجانب الاحتفالي، لأن توثيق مسارات الرياضيات التونسيات يساهم في بناء ذاكرة للرياضة النسائية، ويتيح للباحثين والصحفيين والمهتمين العودة إلى تجارب البطلات ومراحل تطور حضور المرأة في المجال الرياضي.

وفي هذا الإطار أعلنت المديرة العامة للكريديف سنية بن جميع عن إعداد بيبليوغرافيا مختارة للإصدارات المتخصصة المتوفرة بمكتبة المركز حول النساء والرياضة، إلى جانب إعداد دليل حول الرياضيات التونسيات وإصدار عدد خاص من مجلة الكريديف حول النساء والرياضة في تونس.

من البطولات إلى السياسات العمومية

يبدو أن أحد أهم مخرجات اللقاء يتمثل في نقل النقاش حول الرياضة النسائية من الاحتفاء بالنتائج إلى البحث في الشروط التي تنتج هذه النتائج وتضمن استمرارها.

فوجود 35 رياضية تونسية متوجة بـ37 ذهبية خلال الأشهر الأولى من سنة 2026 يؤكد قدرة الرياضة النسائية التونسية على إنتاج بطلات على المستوى الدولي، لكن معطى عزوف أكثر من 88 بالمائة من النساء عن ممارسة الرياضة يكشف في المقابل عن اتساع الفجوة بين رياضة النخبة والممارسة الشعبية.

ومن هنا تبرز مجموعة من القضايا التي تحتاج إلى معالجة متكاملة: توسيع فرص النفاذ إلى الرياضة منذ الطفولة، تحسين ظروف الاستمرارية، توفير فضاءات وتجهيزات ملائمة، معالجة صعوبات التنقل، تطوير التأهيل والتكوين، دعم الجمعيات النسائية، تعزيز الحضور النسائي في مواقع القرار، وتوفير تغطية إعلامية أكثر انتظاما للرياضة النسائية.

نجاحات تستدعي توسيع قاعدة الممارسة

أكدت وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن أن مخرجات اللقاء يمكن أن تساهم في الدفع بتطوير الرياضة النسائية ومناقشة الحلول العملية للعقبات التي تحول دون وصول أوسع للفتيات إلى الرياضة واستمرارهن فيها، وتقليص التفاوت بين الجنسين.

وتتقاطع هذه الرؤية مع مضمون النقاشات التي شهدها اللقاء: فالتحدي لا يكمن فقط في إنتاج بطلات جديدات، وإنما في جعل الرياضة جزءا أكثر حضورا في حياة النساء والفتيات، وإتاحة مسارات واضحة للانتقال من الممارسة إلى التكوين والمنافسة ثم الاحتراف، مع توفير البيئة الطبية والاجتماعية والإعلامية والمؤسساتية اللازمة.

وبين 37 ذهبية تحققت خلال الفترة المنقضية من 2026 وأكثر من 88 بالمائة من النساء خارج الممارسة الرياضية، تبدو الرياضة النسائية في تونس أمام صورتين متوازيتين: صورة نجاحات دولية لافتة، وصورة قاعدة ممارسة ما تزال محدودة. وبينهما تبرز مهمة السياسات العمومية والمؤسسات الرياضية والمجتمع والإعلام في تحويل نجاح البطلات إلى رافعة لتوسيع مشاركة النساء والفتيات في الرياضة.

✍️ منية كواش

spot_img

أبرز التصنيفات