منية كواش، صحفية مستقلة.
مع بداية كل موسم ثقافي، تفتح مدينة الثقافة الشاذلي القليبي أبوابها أمام المسرح التونسي من خلال تظاهرة «الخروج إلى المسرح»، التي يعود إليها مسرح أوبرا تونس هذا العام بدورتها السابعة، من 25 سبتمبر إلى 1 أكتوبر 2026، في موعد يجمع بين عروض مسرحية جديدة واحتفاء بصنّاع الفرجة والجمهور. وتأتي الدورة الجديدة ضمن افتتاح الموسم الثقافي 2026-2027، لتواصل تقليدا بدأ في سياق استثنائي ثم تحول تدريجيا إلى محطة ثابتة في الروزنامة المسرحية التونسية.
وتفتتح الدورة يوم الجمعة 25 سبتمبر بمسرحية «(ال)حُلم» من إخراج الفاضل الجعايبي، وإنتاج فاميليا للإنتاج وفنون للتوزيع. وفي اليوم التالي يقدم خبيب العياري «هاملت كوميديا الموت» من إنتاج شركة أرسطوفانيس للإنتاج والتوزيع بباجة.
ويشهد الأحد 27 سبتمبر عرضين: «الموت» من إخراج الأزهر الفرحاني، ثم «سراب» من إخراج حافظ خليفة. وتتواصل البرمجة يوم الاثنين 28 سبتمبر مع «Fondu Noir» لمروان الميساوي من إنتاج مسرح أوبرا تونس، ثم «نومة» لدليلة المفتاحي يوم الثلاثاء 29 سبتمبر، من إنتاج شركة مسرح الناس تونس.
أما الأربعاء 30 سبتمبر، فيكون الموعد مع «جرس» لعاصم بالتوهامي من إنتاج المسرح الوطني التونسي، قبل أن تختتم الدورة يوم الخميس 1 أكتوبر بمسرحية «إقامة شهيرة» لعبد العزيز المحرزي، في إنتاج مشترك بين مسرح أوبرا تونس والتلفزة التونسية.
برمجة تكشف ملامح المشهد الجديد
لا تتميّز الدورة السابعة بعدد عروضها فقط، بل في تنوع الأسماء والجهات المنتجة والمقاربات الإخراجية التي يجمعها البرنامج. فمن حضور أسماء رسخت موقعها في المسرح التونسي، إلى مخرجين وتجارب إنتاجية أخرى، تضع التظاهرة أمام جمهورها عينة من الحركة المسرحية الراهنة، وتتيح له الانتقال بين تجارب وموضوعات وأساليب مختلفة خلال أسبوع واحد.
كما أن حضور المسرح الوطني ومسرح أوبرا تونس وإنتاجات الشركات والفرق المسرحية المستقلة والإنتاج المشترك، يضيء تعدد مسالك الإنتاج المسرحي في تونس، ويجعل التظاهرة فضاء يلتقي فيه جزء من هذا المشهد داخل مدينة الثقافة.
وتكشف مسيرة الدورات السابقة كذلك عن حرص المنظمين على المزاوجة بين العرض والاحتفاء بالذاكرة المسرحية. فقد شهدت الدورة الثالثة تكريم محمد قريع، فيما حملت الدورة السادسة اسم الفاضل الجزيري. وبين التكريم وتقديم الإنتاج الجديد، تحاول التظاهرة أن تصل الماضي بالحاضر: أن تستحضر أسماء صنعت جزءا من تاريخ المسرح التونسي، وأن تمنح في الوقت نفسه الأعمال الجديدة فرصة الوصول إلى الجمهور.
المسرح في مواجهة العزلة
تظل الخلفية التي ولدت فيها التظاهرة حاضرة في معناها الرمزي. ففي عام 2021، عندما كانت آثار الجائحة لا تزال تضغط على الحياة الثقافية، كان تنظيم عروض مسرحية في مدينة الثقافة يحمل معنى استعادة الفضاء العام واللقاء المباشر. ومن هنا ارتبط «الخروج» في اسم التظاهرة بالخروج من العزلة، وبعودة الجمهور إلى قاعات العرض.
لكن مرور السنوات منح التظاهرة وظيفة جديدة. فلم تعد مجرد استجابة ظرفية لأزمة صحية، بل أصبحت آلية سنوية لعرض جانب من الإنتاج المسرحي التونسي الحديث، وموعدا ينتظره المسرحيون والجمهور مع بداية موسم ثقافي جديد. وهذا التحول من حدث استثنائي إلى تقليد مؤسساتي هو أحد أبرز ملامح مسارها خلال السنوات الماضية.
إختار المنظّمون لهذه التظاهرة في نسختها التجريبية الأولى شعار «الصمود والاحتفاء بالحياة» باعتبارها تعبيرا عن رغبة المسرحيين في الانتقال من الانغلاق والخوف إلى الحرية والإبداع والحياة. ومنذ ذلك الظرف الاستثنائي، أخذت عبارة «الخروج إلى المسرح… الخروج إلى الحياة» معنى يتجاوز مجرد عنوان لتظاهرة فنية. فالمسرح هنا يستعيد وظيفته باعتباره فضاء للقاء المباشر بين الممثل والجمهور، ومكانا لاختبار الأفكار والمشاعر والأسئلة الجماعية أمام جمهور حاضر، بعد فترة فرضت فيها الجائحة العزلة والابتعاد عن الفضاءات الثقافية.
من المبادرة الاستثنائية إلى موعد ثابت
تظاهرة «الخروج إلى المسرح» لم تبق مرتبطة بذاكرة الجائحة وحدها، بل تحولت إلى موعد سنوي يفتتح به قطب المسرح والفنون الركحية الموسم الثقافي. ففي دورتها الثالثة سنة 2022، قدمت التظاهرة ستة عروض على امتداد ستة أيام، وتوزعت العروض بين مسرح الجهات وقاعة المبدعين الشبان بمدينة الثقافة، مع حضور للمسرحيين والإعلاميين والجمهور ومتابعة ونقاش مضامين الأعمال المقدمة.
وكانت دورة 2022 أيضا مناسبة لتكريم الفنان المسرحي محمد قريع، بما يعكس أحد الأبعاد التي سترافق التظاهرة لاحقا: الجمع بين تقديم الإنتاجات الجديدة واستحضار أسماء وتجارب تركت أثرا في المسرح التونسي. واختتمت الدورة بعرض «شريدة» لحسام الغريبي وإنتاج مركز الفنون الدرامية والركحية بالمهدية.
وفي الدورة الرابعة سنة 2023، تواصل المنحى نفسه، إذ احتضنت مدينة الثقافة ستة عروض، من بينها «L’Albatros» في الافتتاح، و«مايراوش»، و«الهروب من التوبة»، و«شوق»، و«الفيرمة»، و«1114». وتوزعت العروض بين مسرح الجهات وقاعة المبدعين الشبان، وكان الدخول إليها مجانيا، بما عزز فكرة التظاهرة باعتبارها موعدا مفتوحا أمام الجمهور للاطلاع على جانب من الإنتاج المسرحي التونسي الجديد.
سبعة عروض في الدورة الخامسة
أما الدورة الخامسة، التي انتظمت من 23 إلى 29 سبتمبر 2024، فقد قدمت سبعة عروض مسرحية، وتوزعت بدورها بين مسرح الجهات وقاعة المبدعين الشبان. وافتتحت بمسرحية «آخر البحر» للفاضل الجعايبي، واختتمت بـ«البخارة» للصادق الطرابلسي، فيما شملت البرمجة أعمالا أخرى مثل «قونة (قاعة الانتظار)» و«واحد» و«روضة العشاق» و«البوابة 52» و«اعتراف».
ومن العناصر اللافتة في هذه الدورة أن العروض كانت تتبع بحلقات نقاش يديرها يوميا فقيد المسرح التونسي، الناقد والمخرج المسرحي أنور الشعافي. وبذلك لم تقتصر التظاهرة على عرض الأعمال أمام الجمهور، وإنما فتحت أيضا مجالا للتفاعل معها ومناقشة خياراتها الفنية ومضامينها، وهو ما يمنح الموعد بعدا نقديا وحواريا إلى جانب وظيفته العرضية.
دورة سادسة حملت اسم الفاضل الجزيري
واصلت الدورة السادسة سنة 2025 تقليد افتتاح الموسم الثقافي، لكنها حملت خصوصية إضافية تمثلت في إهدائها إلى الفنان الراحل الفاضل الجزيري. وقد انتظمت من 26 سبتمبر إلى 2 أكتوبر، وواصلت تقديم الإنتاجات المسرحية الجماعية المحترفة الموجهة للكهول، باعتبارها نافذة على الأعمال الجديدة التي عرفها المسرح التونسي خلال السنة.
وتكشف شروط المشاركة التي أعلنها مسرح أوبرا تونس في تلك الدورة عن طبيعة الاختيارات الفنية للتظاهرة: إنتاج مسرحي محترف، حديث نسبيا، موجه إلى الكهول، مع تقديم تسجيل سمعي بصري كامل للعرض وملف فني وتقني وصور ترويجية وملخص للعمل. وهي شروط تؤكد أن «الخروج إلى المسرح» لا يستهدف إعادة تقديم عروض قديمة بقدر ما يراهن على متابعة حركة الإنتاج المسرحي التونسي الجديد.
سبع دورات… ومساحة للقاء
بين دورة أولى ارتبطت بالصمود في مواجهة الجائحة، ودورة سابعة تقدم ثمانية عروض من إنتاجات 2026، قطعت «الخروج إلى المسرح» مسافة جعلتها جزءا من المشهد المسرحي السنوي في تونس. وقد حافظت، عبر الدورات الموثقة، على مجموعة من الثوابت: افتتاح الموسم الثقافي، تقديم إنتاجات مسرحية حديثة، احتضانها بمدينة الثقافة، الانفتاح على الجمهور، والاحتفاء بالمسرحيين وتجاربهم.
وفي المقابل، تغيرت التفاصيل من دورة إلى أخرى: عدد العروض، أسماء المخرجين والفرق، الأعمال المختارة، والتكريمات والأنشطة المصاحبة. وهو ما يمنح التظاهرة مرونة تسمح لها بأن تعكس في كل سنة جزءا من المشهد المسرحي الجديد، بدلا من تقديم صيغة ثابتة لا تتغير.
تعود تظاهرة «الخروج إلى المسرح» في سبتمبر 2026 بشعارها الذي رافق مسيرتها: «الخروج إلى المسرح… الخروج إلى الحياة». وهي دعوة تبدو في دلالتها اليوم أكثر اتصالا بوظيفة المسرح نفسها: أن يفتح فضاء للقاء، وللخيال، ولتعدد الرؤى.

