الرئيسيةأخبارالمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية «مؤسسة الخفاء» وراء المشهد الاحتفالي...

المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية «مؤسسة الخفاء» وراء المشهد الاحتفالي في تونس

الجمعة 4 سبتمبر 2026

منية كواش، صحفية مستقلّة.

خلف كل مهرجان ناجح، هناك عمل لا يراه الجمهور عندما يدخل فضاء العرض ويجلس في مقعده. تجهيزات، عقود، طلبات عروض، لوجستيك، موارد بشرية، تنسيق إداري وتقني، تذاكر، أمن، اتصالات ومتابعة مالية. وفي تونس، تتولى المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية جانبًا أساسيًا من هذا العمل، بما يجعلها أحد الفاعلين الذين يقفون في خلفية المشهد الثقافي والفني، فيما تتصدر أسماء الفنانين والمديرين الفنيين واجهة العروض.

ولا يقتصر دور المؤسسة على تنظيم المهرجان في أيام انعقاده، بل يبدأ قبل ذلك بوقت طويل ويستمر بعد إسدال الستار. فاختيار العروض يمر عبر ملفات وترشحات، والإعداد يتطلب التعاقد مع المتدخلين وتوفير التجهيزات والخدمات، فيما تفرض مرحلة التنفيذ تنسيقًا متواصلًا بين الفرق الفنية والتقنية والإدارية والأمنية، قبل الوصول إلى مرحلة التقييم والمتابعة المالية.

مؤسسة تتولى التظاهرات الكبرى وتساند بقية المهرجانات

أحدثت المؤسسة سنة 2014 وبدأ نشاطها الفعلي سنة 2016، وهي مؤسسة عمومية ذات صبغة إدارية واستقلال مالي، تتولى تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية تنظيم عدد من أبرز التظاهرات الوطنية. وتشمل مهامها، وفق النصوص المنظمة لها، مهرجان قرطاج الدولي، وأيام قرطاج المسرحية، وأيام قرطاج الموسيقية، ومعرض تونس الدولي للكتاب، إضافة إلى تظاهرات أخرى يمكن أن تكلفها بها الوزارة.

ولا تقف المهمة عند التنظيم المباشر. فالمؤسسة تسند أيضًا بقية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية الوطنية والجهوية والمحلية فنيًا وتقنيًا وماليًا، وفق الإمكانات المتاحة وبرامج المؤسسة واتفاقيات الشراكة المبرمة مع الهياكل المنظمة وبعد مصادقة سلطة الإشراف. ويشمل هذا التدخل المساهمة في المنح المالية وتوفير أشكال مختلفة من المساعدة.

وهنا تظهر أهمية المؤسسة في المشهد الثقافي خارج المهرجانات الكبرى. فهي لا تعمل فقط عندما يكون اسم قرطاج أو الحمامات أو أيام قرطاج في الواجهة الإعلامية، بل تدخل كذلك في منظومة أوسع لدعم تظاهرات في الجهات، بما يجعلها حلقة بين السياسة الثقافية للدولة والهياكل المنظمة للمهرجانات.

هند المقراني: النجاح يبدأ من التنظيم والاختيار

في حديث صحفي بمناسبة الدورة الستين لمهرجان قرطاج، وصفت السيدة هند المقراني المديرة العامة للمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية، الدورة بأنها «استثنائية»، معتبرة أنها تتويج لمسيرات فنية لعدد من كبار الفنانين، وفي الوقت نفسه مساحة للتواصل بين الجيل القديم والجيل الصاعد في تونس والمشاركات العربية.

وكانت السيدة المقراني قد أوضحت كذلك أن برنامج قرطاج الستينية اختير من بين 77 ملفًا، مع مراعاة الجودة الفنية والكلفة، وهو ما يكشف جانبًا من طبيعة الدور الذي تقوم به المؤسسة: التوفيق بين الرهان الفني والقدرة المالية، وهما عنصران لا يمكن فصلهما في تنظيم مهرجان كبير يعتمد جزئيًا على المال العمومي ومداخيل التذاكر والشراكات.

وللسيدة المقراني بعيدا عن الضغوط الظرفية والتنظيمية تصور أوسع للمؤسسة، يقوم على تحسين طرق التصرف في البرمجة والتنفيذ والتمويل والتسويق والاتصال وإدارة الموارد البشرية والتقنية والمالية، إلى جانب المتابعة والتقييم. وهو تصور يجعل التنظيم الثقافي أقرب إلى إدارة مشروع مركّب، لا مجرد توفير منصة لفنان وإدارة حفل.

العمل يبدأ قبل وصول الجمهور

في المهرجانات الكبرى التي تشرف عليها مباشرة المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية، لا يبدأ التنظيم مع صعود الفنان إلى الركح، بل قبل ذلك بأشهر. دورة مهرجان قرطاج الدولي الستون تقدم مثالًا واضحًا على حجم هذا المسار؛ فقد فتحت المؤسسة منذ جانفي 2026 باب الترشح للمشاركة، قبل أن تمر الملفات إلى مرحلة الاختيار والإعداد ثم التنفيذ.

ويشمل الجانب اللوجستي توفير التجهيزات الصوتية والضوئية والركحية والخدمات التقنية، وهي عمليات تتم في إطار منظومة الشراء العمومي. ومن أمثلة ذلك طلب عروض أطلقته المؤسسة في أوت 2026 لكراء تجهيزات الصوت والإضاءة وغيرها استعدادًا للدورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقية، بما يكشف أن انتهاء الموسم الصيفي لا يعني انتهاء نشاط المؤسسة.

كما تتطلب هذه العملية إدارة الموارد البشرية والمتدخلين المؤقتين. فقد أعلنت المؤسسة في أوت 2026، مثلًا، عن فتح الترشح للعمل ضمن فعاليات الدورة 27 لأيام قرطاج المسرحية في مجالات المراقبة والاتصال والتصوير واللوجستيك والصوت والإضاءة وغيرها، وهو ما يعكس حجم العمل الذي يرافق التظاهرة خلف الكواليس.

صائفة 2026: قرطاج والحمامات وما وراءهما

كان مهرجان قرطاج الدولي، في دورته الستين، أبرز اختبار للمؤسسة خلال صائفة 2026. فقد امتدت الدورة من 16 جويلية إلى 19 أوت، وضمت 20 سهرة، واختير برنامجها من بين 77 ملفًا، وفق معايير قالت الإدارة إنها تجمع بين الجودة الفنية والكلفة المالية. وقدمت هند المقراني الدورة باعتبارها محطة تجمع بين ذاكرة المهرجان والانفتاح على الأجيال الجديدة.

وفي مستوى آخر، واصلت المؤسسة الإعداد لتظاهرات خريفية مباشرة بعد نهاية الموسم الصيفي. ففي 25 أوت 2026 أعلنت عن طلب عروض لكراء تجهيزات صوت وإضاءة وتجهيزات أخرى لفائدة الدورة 11 لأيام قرطاج الموسيقية، بما يؤكد أن جهاز المهرجانات يعمل بمنطق الموسم المتواصل وليس بمنطق مهرجان منفرد.

وتظهر في صائفة 2026 أيضًا مسألة استعادة بعض التظاهرات لمكانتها. فقد اعتبرت السيدة يسر الحزقي، مديرة مكتب الإعلام والاتصال مديرة مكتب الإعلام والاتصال بوزارة الشؤون الثقافية وبمهرجان قرطاج الدولي، عودة مهرجان الجاز بطبرقة مكسبًا لتونس ولولاية جندوبة، وأشارت إلى أن استئناف المهرجان تم بتضافر جهود مؤسسات تابعة لوزارة الشؤون الثقافية رغم غياب ميزانية مخصصة له.

من التنظيم إلى التمويل والدعم

الجانب المالي جزء أساسي من وظيفة المؤسسة، لكنه لا ينفصل عن الجانب التنظيمي. وفي حديثها عن منظومة الدعم، أكدت السيدة هند المقراني مديرة مؤسسة تنمية المهرجانات، أن المؤسسة لا تعمل وفق منطق عشوائي، وأن الملفات تخضع لمعايير تتصل بجودة البرمجة والخصوصية الثقافية للجهة ومدى ابتعاد التظاهرة عن الاستنساخ والتكرار. كما أوضحت أن الدعم يمكن أن يكون مباشرًا عبر اقتناء العروض أو توفير الدعم اللوجستي، أو غير مباشر عبر المنح الموجهة إلى الهياكل المنظمة.

ويرتبط الدعم كذلك بالمتابعة. فحسب تصريحات المقراني، يتم صرف المنح على قسطين، ولا يصرف القسط الثاني إلا بعد تقديم المؤيدات والتقارير الأدبية والمالية، بما يجعل المؤسسة طرفًا في مرحلة ما بعد المهرجان أيضًا، وليس مجرد جهة تمول التظاهرة قبل انطلاقها.

وكانت معطيات قدمتها المؤسسة في 2025 تشير إلى أن الاعتمادات السنوية المخصصة للدعم بلغت نحو 6 ملايين دينار، مع استفادة 59 مهرجانًا صيفيًا و25 مهرجانًا خصوصيًا ونوعيًا إلى حدود أوت من تلك السنة. أما بالنسبة إلى صائفة 2026، فلم أعثر في المصادر المتاحة على حصيلة رسمية مماثلة ومحدثة تغطي كامل عدد المهرجانات المدعومة وقيمة الاعتمادات المصروفة، لذلك لا يصح إسقاط أرقام 2025 على موسم 2026.

السيدة يسر الحزقي: المؤسسة تعمل داخل منظومة جماعية

وفي آخر تصريحاتها بعد اختتام قرطاج، قالت السيدة يسر الحزقي إن نسبة الرضا عن المهرجانات الصيفية تجاوزت 90 بالمائة، مؤكدة أن الهدف من تنظيم المهرجانات لا يقتصر على الجانب المالي، بل يتعلق بإيصال الموسيقى والثقافة إلى المواطنين في مختلف المناطق، مع الحرص في الوقت نفسه على التحكم في النفقات باعتبارها أموالًا عمومية.

وأوضحت الحزقي أن العمل في دورة قرطاج الستين تواصل للسنة الثانية دون مدير منفرد، من خلال هيئة مديرة جماعية تحملت مسؤولية الاختيارات الفنية، معتبرة أن نجاح التجربة السابقة شجع على مواصلة الصيغة نفسها. كما أشارت إلى أن الهيئة تختار العروض ثم تعرضها على وزيرة الشؤون الثقافية، دون أن تفرض الوزارة عرضًا بعينه، وفق روايتها.

وتطرقت كذلك إلى عودة مهرجان الجاز بطبرقة، معتبرة إياه مكسبًا ثقافيًا وسياحيًا، وإلى مسألة التذاكر والسوق السوداء، حيث اعتمد مهرجان قرطاج سنة 2026 التذاكر الرقمية ورمز QR وتحديد سقف الشراء في أربعة تذاكر. وهي تفاصيل تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تعكس جانبًا من العمل التنظيمي الذي أصبح جزءًا من إدارة المهرجانات الحديثة.

جندي الخفاء بين النجاح والمساءلة

قد يكون وصف المؤسسة بـ«مؤسسة الخفاء» مناسبًا لطبيعة عملها، لأنها تظهر أقل بكثير مما يظهره الفنان والمسرح والجمهور، لكنها توجد في معظم التفاصيل التي تجعل العرض ممكنًا. غير أن العمل خلف الكواليس لا يعفيها من المساءلة، بل يجعل الشفافية والمتابعة والتقييم جزءًا أساسيًا من وظيفتها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمال العمومي وباختيار التظاهرات المستفيدة من الدعم.

وفي هذا السياق، كانت المؤسسة قد أعلنت توجهًا نحو نشر التقارير الأدبية والمالية للمهرجانات على مواقع الوزارة والمؤسسة، بهدف تكريس الشفافية وتوفير المعلومة الدقيقة حول التظاهرات المدعومة. كما أن وزارة الشؤون الثقافية دفعت خلال 2026 نحو تطوير حوكمة المهرجانات وتحسين آليات المتابعة والتنسيق بين مختلف المتدخلين.

وهكذا تكشف صائفة 2026 أن المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية ليست مجرد جهاز إداري يقف خلف الركح، بل جزء من البنية التنفيذية للسياسة الثقافية التي ترسمها وزارة الشؤون الثقافية في تونس: تنظم مهرجانات كبرى، وتوفر الإطار اللوجستي والتقني، وتدعم تظاهرات أخرى، وتتعامل مع التمويل والشراء العمومي، وتتابع النتائج بعد انتهاء العروض.

بين امانة الإعتراف بالجهد لكل من يعمل في صمت وجد، وواجب النقد للتطوير هناك خيط رهيف لا يضيع على كل ملاحظ متابع للشأن الثقافي التونسي.

(ملاحظة : تمّ تجميع بعض المعلومات الواردة في التقرير عن طريق الذكاء الاصطناعي)

✍️ منية كواش

spot_img

أبرز التصنيفات