مدونة الصحفية المستقلّة منية كواش تتابع النشاطات الثقافية وقضايا المرأة.

الرئيسيةأهم المواضيعمسرحية وفاء الطيوبي: "الهاربات" من ضيق الواقع الفردي إلى رحابة الأفق المشترك

مسرحية وفاء الطيوبي: “الهاربات” من ضيق الواقع الفردي إلى رحابة الأفق المشترك

تخلّفت الحافلة وهن جالسات بالمحطة قبل مطلع النهار ككلّ يوم من أيام السنة ينطلقن فيه للعمل. هنّ على عكس روتينهن اليومي ينتظرن… فطال الانتظار. قررت مجموعة منهن البقاء على عين المكان والعودة إلى المنزل،  واختارت مجموعة أخرى الذهاب إلى العمل على الأقدام، تحت قيادة أكبرهن سنا وأكثرهن تجربة مع محن الحياة ومصاعب الطريق (تمثّل دور شيخة المجموعة، الممثّلة المتميّزة مريم بن سعيدان). لكن الطريق غبر معلوم ومظلم، فبقين يدرن حول أنفسهن، وفي كل مرة يعدن إلى نقطة الانطلاق. 

هذه بداية مسرحية “الهاربات” لوفاء الطبوبي، التي فازت بجائزة التانيت الذهبي وبجائزة أفضل نص وحظيت  إحدى بطلاتها لبنى نعمان(في دور عاملة مصنع خياطة) بجائزة أحسن أداء  نسائي، ضمن المسابقة الرسمية لأيام قرطاج المسرحية،  في دورته 26  لسنة 2025 (من 22 إلى 29 نوفمبر). 

كما تحصلت في مناسبة أخرى، على الجائزة الكبرى للإبداع المسرحي وعلى جائزة أفضل ممثلة،  فاطمة بن سعيدان في  المسابقة الرسمية ل”مواسم الإبداع”،  للمسرح  الوطني التونسي دورته الثالثة التي انتظمت قبل بضعة أيام من 24 أكتوبر إلى 8 نوفمبر2025.

مسرحية “الهاربات” لوفاء الطبوبي التي كتبتها وأخرجتها وصمّمتها سينوغرافيا (في إنتاج مشترك مع المسرح الوطني)، شارك في بطولتها كلّ من أسامة الحنايني (الرجل الشاب الوحيد في المجموعة في دور عامل في مصنع “الكابل” لكنه  يعاني من العجز المادي وعدم القدرة على إعالة أسرته)، وأميمة البحري (في دور المثقفة الشابة التي تعمل بمرتبة أقل من شهادتها الجامعية، وتحلم بممارسة مهنة المحاماة)، وصبرين عمر(في شخصية الأستاذة المتفانية رغم هشاشة عقد عملها)، ومنيرة الزكراوي (في شخصية جامعة قوارير البلاستيك في الشوارع)، و لبنى نعمان(عاملة الخياطة)، وفاطمة سعيدان (معينة منزلة، “شيخة” وقائدة المجموعة في بدايتها قبل أن تتجاوزها الأحداث). جسّدوا بحضورهم على الرّكح  معنى الفريق وكانوا متماسكين ومتناسقين كطاقم من ممثّلين رغم تناقضاتهم كشخوص في النص المسرحي، فجاء عملهم محكما  ومتكاملا. وبدوا متقاربين في الأداء وفي شدّ انتباه الجمهور. 

مفارقة الضياع والمصير المشترك

حدث عادي  وروتيني حوّلته الكاتبة المسرحية، إلى تأمل فلسفي ووجودي ومنحته بعدا مشهديا ملموسا وأضفت عليه معالجة فنّية رهيفة الحسّ. جسّدت للمتفرج معضلة النقل العمومي كما يعيشها يوميا المواطن، وصوّرت له أناسا لا تربطهم ببعضهم عرى صداقة أو قرابة، بل جمع بينهم موضوعيا انسداد الأفق والخوف من المجهول، فنشأت بينهم  علاقات عفوية وانطلقت الألسن بعد ريبة وتحفّظ، وتحدّث كل واحد عن ظروفه وهشاشة عمله والبعض من أحلامه البسيطة. 

تحاوروا، تخاصموا وتصالحوا، صمتوا وصرخوا وحمّلوا بعضهم بعضا مسؤولية عدم معرفة الطريق وضياعهم. باحوا لبعضهم بأوجاعهم وكشفوا عن معاناتهم داخل أسرهم وفي أماكن عملهم وعبّروا بمرارة عمّا يعيشونه من تهميش واضطهاد، وما  مرّوا به من  قهر وظلم، وما ينتظرهم من مستقبل غامض وما يعشش في أنفسهم المنكسرة والأبية، من أحلام وخيال.

عرضت الطبوبي على المتفرج  موضوع “الانتظار” في بعدها العملي والوجودي، وما ينجرّ عنه من وقت ضائع وإخلال بالالتزامات، وقلق وإرهاق وكأنّها تقدّم نسختها من تجربة “الانتظار” التي تميّز بها دوليا الكاتب الايرلندي صمويل بيكيت في مسرحية في “انتظار غودو”. أرادت لشخصيات مسرحيتها أن تعيش ترقّبا مزدوجا بانتظارهم قدوم الحافلة وترقبهم لتغيير أحوالهم  إلى الأحسن  فجسّدت تأزمهم النفسي وخوفهم وحيرتهم.   

الانتظار السلبي  سجن معنوي، يقتل الطاقات والكفاءات ويحوّل الطموح إلى  استسلام والأمل إلى يأس، تلك رسالة الكاتبة الضمنية.  ولذلك يجب مواجهته بالمحاولة وبروح  التحدي. فصوّرت شخصيات المسرحية  وهم  يصارعون، يحاولون  مرارا وتكرارا، يسقطون ثم ينهضون، فعادت بالمتفرج إلى  أسطورة  سيزيف الاغريقية، مدحرج الصخرة من سفح الجبل صعودا ونزولا ،مرارا وتكرارا والمحاول الصّبور إلى ما لا نهاية .

بعض المشاهد شبيهة بالأوبرا

في بعض المشاهد تأخذنا الطبوبي خارج الإطار المسرحي المعهود، فيغيب الحوار تاركا المجال وحده، إلى الحركات الجماعية في انسجام كامل مع موسيقى إيحائية وكأننا في أوبرا حديثة. فيكون التعبير في أرقى أشكاله الفنّية عن معاناة الإنسان ومأساته الوجودية، وتشبثه بالأمل رغم الألم، بحركات الجسد وبملامح الوجه  وبالتنفس وبالمشي فجعلت من خطوات مجموعتها المسرحية ومن حركة  تنفسهم ، مرآة بصرية ونفسية عكست ما بداخلهم  من ألم ويأس.

صوّرتهم  وهم ، يحاولون الهروب من  الانتظار في سير جماعي،بخطى حثيثة، واثقة منتظمة، متناغمة، مسترسلة تحدث صوت وجع ، يصحبها  تنفسا ينمّ عن إرهاق وتعب. جعلت لباسهم أيضا يحكي عن معاناتهم بعدم تناسقه مع الذوق الأنثوي البرجوازي المعهود، وبقتامة ألوانه فأضفت عليه بعدا سيميائيا بليغ الدلالات.

غابت أسماء الشخصيات

اختارت وفاء الطبوبي تغييب الأسماء في شخوص مسرحيتها، فلم تسمّ الشخصيات وعرّفت بهم  من خلال وظائفهم ومحنهم اليومية مثل التهميش والاستغلال والاغتراب وعبر خصال التصقت بهم ورافقتهم فأصبحت هويّتهم الطاغية.

عرّفوا بأنفسهم حسب نوع معاناتهم ودرجة وجعهم. فهذه عاملة خياطة وهذا عامل في معمل للأسلاك (الكابل)، يسردان ما يتعرضان له يوميا من استغلال ومن مخاطر العمل المتسلسل وما يفرضه  عليهما من  تكرار واستنزاف عضلي  ونفسي وكأننا أمام محاكاة فنّية لفلم شارلي شابلن الشهير “الأزمنة الحديثة” (1936)، الذي يصوّر مأساة العامل الميكانيكي وهو يعمل في مصنع آلي ويتعرض لضغوط العمل الروتينية، ويصاب بانهيار عصبي. 

وهذه معينة منزلية ثمانينية (الممثلة المتميّزة فاطمة بن سعيدان)، لا تزال تصارع من أجل لقمة العيش، فليس لها تغطية اجتماعية تضمن لها تقاعدا مريحا، وهذه شابة مجازة في القانون  تعمل كاتبة لدى محامي وهو في الأصل زميلها ويحمل شهادة  مثل شهادتها، وهذه أستاذة نائبة تحبّ مهنتها وتبذل كل وسعها حتى لا تتأخر عن موعد العمل  فيتم طردها، آملة في ترسيم قد  يأتي في  يوم  من الأيام .

وهذه عاملة خياطة (لبنى نعمان) وهذه ملتقطة قوارير البلاستيك من حاوية إلى أخرى تصبح  خبيرة جراء الممارسة  والتجربة الطويلة فتتغزل بالقوارير البلورية وتنادي باستعمالها عوضا عن البلاستيكية. لتثير أيضا  مشكلة تراكم المواد البلاستيكية وتشويهها لكل الأمكنة ومدى خطورتها على حياة التونسي.

فضّلت جمع المؤنث على الوفاء للقاعدة

خاطبت وفاء الطبوبي الجمهور بلغة يفهمها، ووضعته وجها لوجه مع  مشاكل يعيشها يوميا ، لم تكلفه عناء التخيل فعرضت عليه مشاهد من الحياة اليومية ليعاينها من خارج الحلبة و بعين المتفرج الناقد وفي لحظة صفاء. عبرت له الشخصيات المسرحية الستة على معاناتها وتيهها وتهميشها، فصرخت وتأوهت ألما  وقهرا، أبهرته بكلمات تعكس عمق الجرح وبمعالجة فنّية ممتعة، ورجّته  فأشعرته أنها تحكي عنه وتروي قصصا من معاناته  فتفاعل معها  وشاركها صراعها، مستبطنا همومها لأنها مماثلة لهمومه.

تمرّدت وفاء الطبّوبي على قواعد اللغة انتصارا لجسد المرأة  المنهك  جراء الاستغلال والعمل المضاعف خارج البيت وداخله، واختارت لمسرحيتها عنوانا في صيغة جمع المؤنث ( “الهاربات”)، رغم أن عدد الشخصيات في المسرحية  خمس نساء ورجل شاب وحيد. فتناست  القاعدة اللغوية التي تغلّب المذكر في صيغة الجمع  بوجود  ذكر واحد في المجموعة. لعلّها تذكّر المتفرج بما يفعل الفقر والتهميش بالنساء، فهن الحلقة الأضعف والأكثر عرضة لتبعات الأزمات والكوارث، ويشهد التاريخ أن معاناتهن دوما ودائما مضاعفة. 

نهاية “الهاربات”، ليست مغلقة ولا معلومة ولم تحلّ الكاتبة والمخرجة عقدتها. عقدة مركّبة وحلّها ليس من البديهيات. فتلك مهمّة المتفرّج.

spot_img