بين وفاة صاحب مؤسسة تانيت Tanit وترتيبات انتقال إدارة وملكية مركز نداء هاتفي (centre d’appel téléphonique)، تقع أحداث مسرحية جاكراندا Jacaranda وهو صنف من الأشجار المزهرة أو “تراجيديا مركز نداء”، لمؤلّفها الناقد المسرحي عبد الحليم المسعودي والتي أخرجها نزار السعيدي، وهي التجربة الثانية لهذا الثنائي بعد مسرحية “تائهون” سنة 2021 .
اجتمعت العديد من العناصر في هذه المسرحية، التي شاركت في تمثيلها فرقة شباب المسرح الوطني، لتجعل منها عملا جميلا، ممتعا، ومفيدا في كمّ الحيرة والتساؤلات التي يطرحها على الجمهور، ونجحت في شدّ انتباه جمهور غفير حضر العرض ضمن برنامج الدورة الثالثة لمواسم الإبداع الذي ينظمها المسرح الوطني(من أكتوبر 24 إلى 8 نوفمبر2025). وهذا ما ذهبت إليه لجنة التحكيم حيث حصلت مسرحية “جاكرندا” على ثلاث جوائز هي جائزة أفضل سينوغرافيا، وجائزة أفضل نص لعبد الحليم المسعودي وأفضل إخراج لنزار السعيدي.
وتأكّد تألّق المسرحية لاحقا، مع منحها جائزة التانيت البرونزي في الدورة 26 من أيام قرطاج المسرحية (22 الى 29 نوفمبر 2025).
راوح النص بين الفلسفة والشاعرية ورسم المأزق الذي تعيشه هذه المؤسسة أمام مصيرها الغامض إثر صراعات الورثة، الزوجة جويدة، الطموحة والمدركة للمخاطر التي تمر بها الشركة، والإبن “المدلل” العائد من المهجر والعم الذي أبدع في أداء دوره الممثل حمودة بن حسين الذي تحصّل في الدورة السادسة لمهرجان بغداد الدولي للمسرح من 10 إلى 16 أكتوبر 2025، على جائزة أحسن ممثل.
ونجح المخرج نزار السعيدي في إدارة فريق من الممثلين الشبان، ضمن المسرح الوطني الشاب صلب مؤسسة المسرح الوطني، الذين تميّزوا كلّهم بقدرات تمثيلية تفكّ الإعجاب.
رسم المخرج لوحات مشاهد المسرحية، ساهمت في تشكيل أجواء يغلب عليها التوتّر ولم تغب عنها مسحات من الشاعرية بلغت ذروتها في مشهد عنيف تقطع فيه شخصية متأزّمة ترمز إلى الصمت الوجوبي أمام العجز على الكلام، وأمطرت السماء في نفس اللّحظة، أزهارا وردية تحيلنا إلى الشجرة المزهرة التي اختار المؤلف أن يستعير اسمها لعنونة مسرحيته، أعطت للمشهد جمالا خاطفا، فتمازج لون الدماء الحمراء بوردية الأزهار.
وراوح نزار السعيدي، في تناغم مع وتيرة النص بين مشاهد تضغط على الجمهور وتشركه في الأزمات المتراكمة لشخصيات المسرحية، ومشاهد مريحة وإن كانت قليلة، لا يغيب عنها المرح وخفّة الحياة.
الناقد والباحث عبد الحليم المسعودي، بدأ مساره المهني كصحفي متخصص في الشأن الثقافي، في التسعينات مع جريدة الصحافة(توقفت عن الصدور سنة 2024)، التي تصدرها الشركة الجديدة للطباعة والصحافة والنشر على ملك القطاع العام وهي التي تنشر أيضا الجريدة العريقة بالفرنسية لابريس. ومارس عبد الحليم المسعودي النقد المسرحي الذي تحوّل عنده إلى تخصص جامعي ونشر عدة كتب منها «بورقيبة والمسرح» عن دار برسيبكتيف آفاق للنشر. ويخوض المسعودي بصفة منتظمة تجربة الكتابة للمسرح في تكامل طريف بين النقد والبحث والإبداع المسرحي.


