مدونة الصحفية المستقلّة منية كواش تتابع النشاطات الثقافية وقضايا المرأة.

الرئيسيةأهم المواضيعمسرحية "تمثال حجر" أو كيف يفكّك المسرح رواية بطولة رسمية.

مسرحية “تمثال حجر” أو كيف يفكّك المسرح رواية بطولة رسمية.

“تمثال حجر” مسرحية من إخراج كريم عاشور ونص حاتم الحشيشة، عرضت ضمن برنامج مواسم الإبداع التي ينظمها المسرح الوطني، تطرح بين هزل في الظاهر وجد في العمق، سؤال كتابة التاريخ والعلاقة المعقّدة بين سلطة تحتاج إلى صناعة رواية بطولة توجّهها إلى عامّة الناس ومبدع مثقّف يأخذ مأخذ الجد عمله ويحتكم إلى ضميره وإلى مرجعياته الجمالية والعلمية.

تحتفل السلطة قريبا بمرور ثلاثين سنة على مرور استشهاد البطل الوطني “الكابتن نوت” الذي أغرقه العدو هو وزورقه في آخر معركة مقاومة غير متكافئة، لكن الشعور الوطني وقبول التضحية حوّلا الضّعف نصرا، لا بدّ من الاحتفاء به. وتمّ تكليف فنّان نحاة بإعداد التمثال ضمن نشاطات جامعة للفنون الجميلة وتحت أشراف العميد وهو صاحب كتاب سيرة تروي بطولة “الكابتن نوت” في انسجام كامل مع الرواية الرسمية.

ينطلق الفنان بكل حماس في أنجاز المهمّة لكنه لا يستطيع أن ينهي مهمّته الفنّية قبل أن يتشبّع أكثر بتفاصيل قصّة حياة “الكابتن نوت”، من خارج كتاب العميد المطابق للرواية الرسمية، ويقوم ببحوث ميدانية تسمح له مع تطوّر أحداث المسرحية، بأن يكتشف تدريجيا معلومات ترسم ملامح مختلفة عمّا ترغب الرواية الرسمية تكريسه. 

ومن شهادة إلى أخرى يكتشف الفنان أن الرواية الرسمية لبطولة “الكابتن نوت” ليست سوى وهما رسميا، عليه أن يساهم في تكريسه عن طريق عمل فني تغيب فيه روح الفنان وتعلن عبره الحقيقة كما يريدها تحالف من يدفعون المال لإنجاز التمثال ومن لا يرون في الفن سوى سلّم للصعود إلى المسؤوليات وتحقيق المآرب الشخصية.

يعيش الفنان أزمة تجعله في حيرة من أمره حول دوره الحقيقي وتدفعه إلى التفكير في تحطيم ما أنجزه، “تمثال حجر”، لا هو منجز جمالي ولا هو حقيقة تاريخية علمية. وتنجح المسرحية ببساطة ومن غير تعالي أو سقوط في التلقينية المباشرة، في إعطاء الجمهور درسا في مفهوم “التفكيكية” وهو منهج يدور حوله جدال ساخن على المستوى الدولي ويدعو إلى أعادة قراءة كل السّرديات التاريخية وحتى تلك التي تتغطى بلحاف من “العلمية” لا يغيب عنها ميزان القوى، بعين ناقدة.

يقوم بالتمثيل في مسرحية “تمثال حجر” التي أنتجتها شركة الجوكر بصفاقس سنة 2025، فريق شاب وكفء نجح في خلق أجواء خفيفة الروح، لكنها تمرّر رسالة عميقة، يتكوّن من رامي الشارني وحسام المبروك واحمد الحشيشة وحمدي عبد الجواد وايمن الخبوشي وصادق مزيد. وأشرف على السينوغرافيا بلال بن سليمان.

spot_img