صدر عن دار “نقوش عربية” للنشر كتاب “الموازي في أخبار المسرح النشازي.. ومهملات أخرى” للمسرحي توفيق الجبالي (2024).
وهذه المرّة الممثل والمخرج والأستاذ المسرحي توفيق الجبالي لا “يكتب مسرحا” كما عوّدنا منذ عشرات السنين، ولكنه يكتب عن المسرح وعن مغامرته الشخصية في سفينة المسرح التونسي منذ نصف قرن. لكن هذا الكتاب لا يطمح أن يكون لا دراسة عن المسرح ولا مذكرات الكاتب الذي يقدّم كتابه قائلا:
“هذا الكتاب هو ما وراء ما وثق وما لم يوثق، فيه البعض منكم والبعض مني، والكثير من زخم العمر؛ عمر نهشته تراص الأحداث أمام هشاشة النوايا وضيق الأفق … وطالما أنه كما ذكر، لا يتقيد بأي نوع من أنواع المناهج: لا التوثيقية، ولا النقدية، ولا السردية. هو انفعال يتعرى للعموم دون استشارة صاحبه، نخرجه على علاته إيمانا منا بالتشاركية والتوزيع العادل للقرف …”
وإن لم يضف الكاتب رسميا صفة المذكرات فهذا الكتاب اقرب منه إلى هذه الصفة ويمكن أن نقول هي دفعة أولى أو تسبقه على المذكرات، التي نتمنى أن ينجزها الأستاذ الجبالي. فهو يأخذنا إلى الستينات حيث انفتح على المسرح ومشاركته في ما يعرف في تاريخ المسرح التونسي ببيان ال11 وهو “مانيفستو” مجموعة من المسرحيين الشبان والصادر سنة 1966 ويحمل رؤية نقدية لواقع المسرح التونسي ويبشّر بموجة جديدة أثبتت الأيام جدارتها وتحوّل الشبّان إلى كبار المسرحيين التونسيين وتقلّد بعضهم مسؤوليات عليا في إدارة المسرح والشأن الثقافي بصفة عامّة.
ويتحدّث عن تجربة فرقة الكاف ثم قفصة وبدايات التجديد المسرحي على يد أبناء ذلك الجيل ومنهم الفاضل الجعايبي والفاضل الجزيري وجليلة بكار ومحمد ادريس ومنصف الصائم وعبد الرؤوف الباسطي. يتناول الكتاب أسباب انفصال الجبالي عن فرقة المسرح الجديد وإقامته لمدة سنتين في القاهرة وتجربة مسرح “فو” سنة 1979 مع رجاء بن عمار ومنصف الصايم، ثم تأسيسه لفضاء التياترو سنة 1987 وهي مؤسسة مسرحية رائدة تنشط منذ أكثر من ثلاث عشريات، جمعت بين الانتاج المسرحي والتكوين ووفرت للعديد من الممثلين الشبان فضاء تعلّم ومبادرة وجرءة فنّية.
ويفيض الكتاب بمعلومات طريفة حول ظروف الممارسة المسرحية في تونس وأشكال تدخّل السلطة في النص الابداعي عبر الرقابة، كما يلامس جوانب من صعوبة العلاقات الإنسانية وتقلبات الأمزجة ونكران الجميل ومجانية العداء عبر توجيه تهم من غير أدلّة التي يلجأ اليها بعض الإعلاميين.


