منية كواش
مع انتهاء كل مهرجان دولي أو جهوي تتوالى التعليقات والانتقادات من الأوساط الفنية والإبداعية والتنظيمية وتجد صداها في الإعلام، منددين بعدم حصولهم على دعم مالي كاف من وزارة الشؤون الثقافية، التي تشكو هي بدورها من ضعف الميزانية المالية المخصصة لها، وتمّ منذ أيام نشر خبر مسرّ للجميع يتمثّل في الترفيع بنسبة 8 % من ميزانية وزارة الثقافة لسنة 2026 (في حدود 460,969 مليون دينار،).
وهكذا أصبح عنصر الدّعم مشكلا قائما يراوح مكانه منذ سنوات عديدة، وموضوع جدل ونقاشات واحتجاجات ومزايدات فهذا يرى نفسه أهلا أكثر من زميله للفوز بالدعم وآخر يطالب بتوزيع عادل وثالث يحتج على إقصائه وحرمانه من الدعم ، مطالبا بالشفافية وباعتماد الرّقمنة والمقاييس الموضوعية .
كما يثير الدعم المالي العام للمهرجانات أيضا لغطا وانتقادات وردود أفعال من عامة الناس، إذ يرى فيه البعض إهدارا للمال العام معللا احتياج القطاعات الحياتية الأخرى، لهذا المال نظرا للوضع المالي الصعب التي تمر به البلاد .
أسالت معضلة الدعم أيضا الكثير من الحبر وتحدثت وسائل الإعلام عن شح الموارد المالية وانعكاساته على تنظيم ومجريات المهرجانات وما انجرّ عنه من نقائص ملموسة لوجيستية واتصالية وتقنية وإنسانية. ويعد هذا الجدل والنقد ظاهرة صحية وضرورية إذ يسمح بالمراجعة وينبه إلى تفادي الأخطاء السابقة وإلى تجاوزها وعدم السقوط فيها من جديد في الدورات اللاحقة، فالنقد لم يكن نقدا عاما وفي المطلق، بل تطرّق إلى منجزات فأقر بجهود مبذولة طوال السنة إذ خططت ونظّمت وتابعت على مستويات وطنية وجهوية ومحلية.
وأدخلت وزارة الثقافة أصلاحا جوهريا تأمل من ورائه تحقيق الشفافية والنجاعة في كل أشكال توزيع الدّعم، وذلك بإطلاق المنصة الرقمية للتصرف في الدعم بالقطاع الثقافي، منذ أكتوبر الماضي وستسمح برقمنة آليات الدعم الثقافي، التي كانت تُدار سابقًا بطرق كلاسيكية تعتمد على الملفات الورقية. وستسمح بمعالجة الملفات إلكترونيًا منذ إيداعها إلى غاية البتّ فيها، ما يساهم في تسريع الإجراءات وتحسين جودة الخدمة.”وتندرج المنصّة ضمن مراجعة شاملة للنصوص القانونية المنظمة لعمليات الإسناد، بما يضمن مزيدًا من الشفافية والنجاعة في إدارة الموارد.وتعمل الوزارة على مراجعة “النصوص القديمة التي تعود إلى ستينات وسبعينات القرن الماضي، بهدف تحديث الإطار التشريعي ليتماشى مع التوجهات الجديدة في مجال الدعم الثقافي،المنصّة ستساهم في تحسين توزيع الموارد على مختلف القطاعات الفنية والمهرجانات والمؤسسات الثقافية الجهوية” حسب تصريحات إعلامية لبعض المسؤولين.
معادلة صعبة بين مهرجانات تتكاثف وموارد مالية تتقلص
تجد “المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية”، وهي الذراع العامل لوزارة الشؤون الثقافية في هذا المجال، نفسها أمام معادلة صّعبة بين الطموح الشرعي لتنظيم المهرجانات وتصاعد عددها وما تتطلبه من ميزانيات وأموال، وبين وجوب ترشيد الموارد المالية المحدودة وحسن استعمالها والحرص على عدالة توزيعها ضمانا لمبدأ تكافؤ الفرص وحفظا للمال العام وهي مهمّ من مهام “المؤسسة”.
وكسبت “المؤسسة” خبرة بحكم الممارسة الطويلة لمهامها، وتشكّل مع الوقت فريقا من المهنيين الأكفاء سواء على مستوى الإدارة أو الشؤون المالية أو البرمجة والترويج للمنتج الثقافي وعلى مستوى التقييم وأصبحت قادرة على مرافقة حركات تنظيم المهرجانات، ساعية لتحقيق توازن إيجابي بين المشاركة المحلّية والجهوية للفاعلين الثقافيين، وهو شرط نجاح كل مهرجان والتدخّل المركزي للمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات، بما يوفّره من دعم مالي وخبرة تصرّف.
فهل يحق القول أن المهرجانات تدفع ثمن نجاحها بعد أن انتشرت ولم تعد حكرا على جهة دون أخرى، مما وضع الجميع أمام ضغط قلّة الموارد والمطالبة بتمويل من السلط المركزية، فأغلب المهرجانات تنطلق وفي جرابها تمويلا ذاتيا ضعيفا أو منعدما ، رأسمالها حماسها وحبها لجهاتها في حين يتطلب المهرجان مهما كان حجمه صغيرا أم كبيرا إلى تكاليف ومتطلّبات مالية .
الشراكة مع القطاع الخاص باتت ضرورية
وفي جلسة استماع للجنة السياحة والثقافة والخدمات والصناعات التقليدية بمجلس النواب، يوم الاربعاء 14 ماي 2025 التزمت “المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية” بالتنسيق مع مكتب الشّؤون الجهويّة بوزارة الإشراف والمندوبيّات الجهويّة للشّؤون الثّقافيّة “بتوحيد الجهود لتطوير أساليب تدخّل الدولة في مجال تنظيم المهرجانات عن طريق مرافقة الفاعلين وحثّهم على البحث عن تمويلات ماليّة ذاتيّة في إطار الشراكة مع القطاع الخاص، أو الحصول على عقود استشهار، وذلك حتى تتمكّن من التعويل تدريجيا على قدراتها الذاتية وتحقيق الاستقلال المالي وتكريس قواعد التصرّف السليم بفضل متابعة المندوبيّات لإنجاز التّظاهرات”.
وفي ورشة عمل ” لتطوير منظومة المهرجانات وإعادة تصنيفها وفق معايير الجودة”, تم تنظيمها تحت إشراف وزيرة الشؤون الثقافية، السيدة أمينة الصّرارفي، في قاعة “المبدعين الشبّان” بمدينة الثقافة “الشاذلي القليبي”، يوم الاثنين 12 ماي 2025، تم النظر في إمكانية وضع معايير أكثر دقّة لتصنيف المهرجانات إلى دولية ووطنية وجهوية، باعتماد رؤية ثقافية متكاملة تقوم على مشروع فني يرتقي بالذوق العام، ويتجسّد من خلال برمجة فنية نوعية.
وجاء في تقرير قدّمته المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية في الورشة وانفردت بنشر بعض معطياته الصحفية إيمان عبد الّطيف، في مقالها الصادر في جريدة الصباح اليومية بتاريخ 15 ماي 2025، نحت عنوان “في تقرير المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية إحصائيات أفكار ومقترحات لحلّ إشكاليات منظومة المهرجانات بتونس”، أن المؤسسة ترى وجوب إعادة هيكلة المهرجانات في اتجاه الضغط على العدد وتقليص فترة امتداد المهرجانات في الزمن وتحسين جودتها تنظيميا وبرامجيا والعناية بمنح كل مهرجان خصوصية يتميّز بها في علاقة مع بيئته الحاضنة الطبيعية في الجهة، وتجنّب استنساخ المهرجانات وإمكانية دمج بعض المهرجانات المتقاربة جغرافيا والحرص على التوازن في توزيع النشاطات على مدار السنة.
البحث عن مصادر تمويل تكمّل الدّعم العمومي.
وجاء في بلاغ نشرته المؤسّسة الوطنيّة لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافيّة والفنيّة في أكتوبر 2025 ووجّهته إلى “طالبي الدّعم” من الجمعيات وغير الجمعيّات المنظّمة للمهرجانات أن عليهم “اقتراح برامج جديدة ومبتكرة تراعي خصوصيّة كلّ جهة وتُعبّر عن تنوّع وثراء المشهد الثقافي الوطني، بما يساهم في إشعاع الثقافة التونسيّة على المستويين الإقليمي والدولي”.
وذكّرت المؤسسة، طالبي الدّعم العمومي “أنّ مساهمتها في تمويل المهرجانات تندرج ضمن سياسة دعم تشاركي، وفي حدود الإمكانيات المتوفّرة، حيث تشجّع منظّمي المهرجانات على تنويع مصادر التمويل من خلال البحث عن شراكات فاعلة مع المؤسّسات العموميّة والخاصّة والمنظّمات الوطنيّة والدوليّة، مع احترام التراتيب الجاري بها العمل، بما يضمن ديمومة المهرجانات”.

