قدّمت الفنانة المغربية نجاة عتابو، مساء السبت 8 أوت 2026، عرضاً غنائياً على ركح مسرح الهواء الطلق بالحمامات، ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي، الذي ينتظم تحت شعار «ذاكرة تعيش». واستعاد جمهور المهرجان خلال السهرة جانباً من الذاكرة الغنائية المغربية عبر مجموعة من أشهر أعمال الفنانة، في عرض جمع بين الموسيقى والحديث المباشر والمزاح والتفاعل مع الحاضرين.
ومنذ بداية السهرة، اختارت نجاة عتابو أن تجعل التواصل مع الجمهور جزءاً من بنية العرض، فاستهلت وصلتها بتحية إلى الجمهور التونسي، معربة عن سعادتها بالعودة إلى تونس واشتياقها إلى جمهورها، قبل أن تنتقل بين الغناء والحوار، وتطرح الأسئلة وتستدرج الحاضرين إلى المشاركة في عدد من المقاطع.
وكان هذا التفاعل مدخلاً إلى استحضار الموضوعات التي طبعت تجربة عتابو الغنائية، وفي مقدمتها العلاقات بين المرأة والرجل وما يرتبط بها من حب وزواج وخلافات وكذب وتناقضات اجتماعية. وهي موضوعات تقترب منها الفنانة بلغة شعبية مباشرة، تستمد مفرداتها من تفاصيل الحياة اليومية، وتمنح الكلمة موقعاً أساسياً في بناء الأغنية.
ومن أبرز لحظات السهرة الأغنية التي تناولت «المدونة» المغربية، أي قانون الأسرة، حيث عالجت عتابو موضوع تعدد الزوجات والدعوة إلى الاكتفاء بزوجة واحدة بأسلوب ساخر يقوم على المفارقة واللغة الشعبية. وتحول الموضوع إلى حوار غنائي مع الجمهور، الذي تفاعل مع كلمات الأغنية بالتصفيق والضحك وترديد مقاطع منها.
وتواصلت اللعبة التفاعلية مع أغنية «كذبة باينة»، حين طرحت عتابو على الحاضرين سؤالاً حول الطرف الأكثر كذباً في العلاقات، المرأة أم الرجل. وبين المزاح والهتاف، وجد السؤال طريقه إلى الأغنية نفسها، قبل أن يشارك الجمهور الفنانة أداءها، بما جعل المسافة بين الركح والمدارج شبه غائبة.
أما موسيقياً، فقد استعاد جمهور الحمامات عدداً من الأعمال التي رسخت حضور نجاة عتابو في الذاكرة الغنائية، من بينها «الصبارة» و«شوفي غيرو» و«واه لالة» و«Viva Morocco»، إلى جانب «J’en ai marre» و«كذبة باينة» و«المدونة». وتراوحت تجربتها بين جذور فن العيطة وبعض المؤثرات الحديثة، مع حضور للأمازيغية والفرنسية إلى جانب الدارجة المغربية.
ويحضر صوت نجاة عتابو في هذه التجربة باعتباره أداة للتعبير أكثر من كونه مجرد عنصر موسيقي؛ فهو صوت قوي ومباشر يترك للكلمة مساحة واسعة، ويمنح الأغنية قدرتها على نقل السخرية أو الشكوى أو الاحتجاج الاجتماعي من دون أن تفقد قربها من المستمع. ومن هنا ارتبطت أغانيها منذ عقود بموضوعات الحياة اليومية وبالتجارب الاجتماعية التي يجد فيها الجمهور نفسه.
وبعد نحو خمسة عقود من المسيرة، أصبحت عتابو واحدة من أبرز أصوات الأغنية الشعبية المغربية، بعدما بدأت الغناء في سن مبكرة وحققت انتشاراً واسعاً، قبل أن يتوسع حضورها إلى المجال العربي والدولي. وتضم تجربتها أكثر من 500 أغنية، فيما تجاوزت مبيعات بعض ألبوماتها الأولى ثلاثة ملايين نسخة، كما اعتلت ركح مسارح دولية من بينها «الأولمبيا» في باريس و«لينكولن سنتر» في نيويورك.
وفي الحمامات، بدا أن استمرار هذه التجربة لا يقوم على استعادة الأغاني القديمة فحسب، بل على قدرتها على إعادة فتح الحوار حول موضوعاتها أمام جمهور جديد. فقد حافظت نجاة عتابو على الأغنية الشعبية باعتبارها فضاءً للحكاية والتعبير عن تفاصيل المجتمع، فيما ظل الجمهور شريكاً في اكتمال العرض، بالغناء والتفاعل والضحك واستعادة أعمال رافقت أجيالاً من المستمعين.

