تراجع الزواج والخصوبة والولادات وتكاثر حالات الطلاق وارتفاع عدد كبار السن وتزايد الحاجة إلى آليات جديدة للوقاية من التفكك ودعم الأسرة، تحديات جديدة شكلت الإطار العام لخطة العمل الوطنية للتماسك الأسري في أفق 2035 التي أطلقتها وزارة الأسرة والمرأة في سياق تحولات ديموغرافية واجتماعية واقتصادية متسارعة أعادت تشكيل الأسرة التونسية. وقد انتقلت الخطة خلال الفترة 2025–2026 من مرحلة الإعداد والتشاور إلى الكشف عن مكوناتها ثم الشروع في تنفيذ أحد محاورها، بما يطرح تحدي تحويل التصور الاستراتيجي إلى برامج ملموسة.
التحولات الديموغرافية والاجتماعية كانت من أبرز دوافع وضع الخطة. فقد تراجع عدد الزيجات في 2024 إلى 70,942 عقدا مقابل 78,115 سنة 2023، كما انخفض مؤشر الخصوبة إلى 1.7، وتراجع متوسط حجم الأسرة إلى نحو 3.45 أفراد مقابل 4.05 سنة 2014. وفي المقابل ارتفعت نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فأكثر إلى 16.9% سنة 2024. وتكشف هذه المؤشرات عن انتقال تدريجي من نموذج الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية وعن تغير عميق في بنيتها ووظائفها.
إعداد الخطة انطلق في أفريل 2025 ضمن مسار تشاركي شاركت فيه الوزارات والهياكل ذات العلاقة بالشأن الأسري. وفي جويلية من السنة نفسها عُرض مشروع أولي تضمن أربعة محاور و19 إجراء و83 نشاطا، وشملت الروابط بين أفراد الأسرة والأجيال والمحيط، والأسس الداعمة للتماسك وصمود الأسرة ورفاهها، والتشريعات ذات العلاقة بالأسرة، ثم التنسيق والمتابعة والتقييم. كما كان من المنتظر ضبط البرامج التنفيذية ومؤشرات الإنجاز والميزانيات ورزنامة التنفيذ على مدى عشر سنوات.
الإعداد للحياة الزوجية
الرؤية الاستراتيجية اتسعت في مرحلة لاحقة لتشمل خمسة محاور كما عُرضت في ديسمبر 2025: بناء الأسرة على أسس سليمة، وتعزيز دورها في رعاية أفرادها والإحاطة بالفئات الهشة وذوي الاحتياجات الخاصة، وتقوية علاقتها بمحيطها، ودعم صمودها أمام الأزمات والتحديات والظواهر المستجدة، إلى جانب تطوير السياسات وحوكمة البرامج والمشاريع الوطنية لفائدة الأسر. وتستند الخطة، وفق العرض الرسمي، إلى مقاربة تشاركية وإلى دعم اقتصادي واجتماعي للأسرة ومراجعة المنظومة التشريعية وتطويرها وملاءمتها مع الواقع الوطني والالتزامات الدولية.
الوقاية والإعداد للحياة الزوجية تحولا إلى أول اختبار عملي للخطة. فقد أعلنت وزارة الأسرة في نوفمبر 2025 أن سنة 2026 ستشهد الانطلاق في المحور الأول عبر برنامج وطني للإعداد والتأهيل الزوجي والأسري، مع العمل على تعزيز مكانة مؤسسة الزواج لدى الناشئة وإعداد المقبلين على الزواج. وفي فبراير 2026 تم تقديم تفاصيل البرنامج باعتباره استجابة للتحولات التي كشفتها نتائج التعداد، وخاصة ارتفاع سن الزواج وتراجع عدد الزيجات وتقلص حجم الأسرة وارتفاع الطلاق.
الإعداد للحياة الزوجية اتخذ في مايو 2026 صيغة أكثر عملية، مع الإعلان عن الشروع في إعداد الخطة التنفيذية الخاصة به. ويستهدف البرنامج المقبلين على الزواج والأسر الشابة، من خلال تعزيز القدرات النفسية والاجتماعية والقانونية والصحية، وتنمية مهارات التواصل وإدارة الخلافات وتحمل المسؤولية الوالدية وإدارة موارد الأسرة وبناء مشروع حياة مشترك. كما تقوم الخطة التنفيذية على التوعية والتكوين والإحاطة والمرافقة والدعم.
مواجهة الأزمات الاقتصادية
التشريعات والوساطة الأسرية تشكل مسارا موازيا في الخطة، إذ أعلنت الوزارة عن إعداد مشاريع قوانين تتعلق بنظام النفقة وجراية الطلاق، إلى جانب نظام للتوفيق الأسري يتدخل في مختلف مراحل الخلاف، خصوصا قبل التقاضي وبعده، بما يراعي مصلحة الأبناء. ويعكس ذلك توجها نحو التدخل الوقائي قبل تحول الخلافات الأسرية إلى حالات تفكك نهائية، مع تطوير دور الموفق الأسري كآلية مهنية ومحايدة لحل النزاعات ودعم المرافقة الاجتماعية.
الرهان الاقتصادي والاجتماعي يحضر كذلك في تصور الخطة، باعتبار أن صمود الأسرة لا يرتبط بالعلاقات داخلها فقط، وإنما بقدرتها على مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية. ولهذا تتضمن الخطة دعم الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للأسر، مع التركيز على الفئات الهشة، فيما تتقاطع معها برامج أخرى للتمكين الاقتصادي للنساء ودعم المشاريع النسائية. ويجعل هذا البعد من التماسك الأسري قضية تتجاوز الإرشاد الأسري إلى السياسات الاجتماعية والاقتصادية.
المرحلة المقبلة تبدو لذلك مرتبطة بمدى قدرة الدولة على الانتقال من تعدد البرامج والتدخلات إلى سياسة أسرية أكثر تكاملا، تقوم على التنسيق والمتابعة والتقييم وقياس النتائج. فالخطة لا تستهدف فقط معالجة مظاهر التفكك، وإنما تحاول مواكبة تحول بنية الأسرة التونسية نفسها، وتعزيز قدرتها على الرعاية والحماية والتكيف مع التحولات الديموغرافية والاجتماعية. ويظل التحدي الأساسي هو أن تتحول أهداف أفق 2035 إلى خدمات وبرامج وتشريعات يشعر بها أفراد الأسرة في حياتهم اليومية.
(ملاحظة : تم إعداد مادة الموضوع بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي)

