منية كواش، صحفية مستقلّة
مع اقتراب الموسم الصيفي من نهايته، تكثر حصيلة العروض والحفلات وأسماء الفنانين الذين اعتلوا المسارح، فيما يندر الحديث عن أولئك الذين ظلوا خلف الستار وهم يحملون العبء الأكبر من تفاصيل التنظيم. مديرو المهرجانات وأعضاء الهيئات المديرة والعاملون في اللوجستيك والاتصال والتقنيات والمتطوعون، جميعهم يشكلون حلقة غير مرئية لولاها لما وصل الفنان إلى الركح ولما وجد الجمهور مكانه في المدرجات.
تكشف صائفة 2026، من خلال تجارب عدد من المهرجانات الجهوية، أن تنظيم تظاهرة ثقافية في تونس لا يزال في حالات كثيرة تمرينًا على إدارة الندرة: ميزانيات محدودة، تأخر في التمويل، صعوبات لوجستية، حاجة إلى التنسيق مع السلطات المحلية والأمن والحماية المدنية والبلديات، وضغط جمهور يريد برنامجًا في مستوى سمعة المهرجان. ومع ذلك، واصلت هيئات كثيرة العمل، وبعضها خاض الموسم في ظروف كانت تهدد أصلًا بإلغاء الدورة.
لطفي الصفاقسي: مهرجان بنزرت من «إمكانيات شبه معدومة»
تقدم تجربة مهرجان بنزرت الدولي نموذجًا واضحًا لهذا الضغط. فقد قال مدير جمعية مهرجان بنزرت الدولي لطفي الصفاقسي إن الجمعية انطلقت في إعداد الدورة الثالثة والأربعين بإمكانيات «شبه معدومة»، قبل أن تساعد الثقة التي وضعتها فيها مدراء أعمال الفنانين ومنتجو العروض على مواصلة الإعداد للدورة. وانتهى الأمر إلى برنامج جمع عروضًا تونسية وعربية ومسرحية وموسيقية بين 17 جويلية و19 أوت.
لكن العمل لم يتوقف عند إعداد البرنامج. فقد سبقت انطلاق الدورة جلسات عمل خصصت لجاهزية المسرح ومحيطه، والنقل والتنقل والنظافة والسلامة والجوانب الأمنية والصحية، بمشاركة هيئة المهرجان ومصالح الولاية والبلديات والأمن والحماية المدنية.
وتكشف تركيبة الهيئة المديرة الجديدة جانبًا آخر من العمل غير المرئي: فالمسؤوليات موزعة بين الرئاسة والكتابة العامة والمالية والبرمجة والتسويق والإعلام والاتصال، بما يؤكد أن إدارة المهرجان أصبحت أقرب إلى إدارة مؤسسة صغيرة متعددة الوظائف منها إلى مهمة فردية.
وكان الصفاقسي قد تحدث قبل الإعلان عن البرنامج عن حالة من الضبابية مرتبطة بإمكانية استقدام الفنانين الأجانب، وهي مسألة كانت تفرض على الهيئات تعديل حساباتها في وقت متأخر من التحضيرات.
فخر الدين القرواشي: حين يصبح استمرار المهرجان قرارًا جماعيًا
في تستور، اتخذت المسألة منحى أكثر صعوبة. فقد أعلن مدير مهرجان تستور الدولي للمالوف والموسيقى العربية التقليدية فخر الدين القرواشي في 12 جويلية تمسك الهيئة بإلغاء الدورة الستين بسبب ما اعتبرته تدخلات في البرنامج وتأخر الدعم العمومي وتسويفًا من بعض المستشهرين.
لكن القصة لم تنته بالإلغاء. بعد أيام قليلة، تراجعت الهيئة عن القرار وقررت تنظيم الدورة اعتمادًا على إمكانياتها الذاتية ودون الحصول على منح، مع تقليصها إلى ستة عروض فقط، والاعتماد على مداخيل الشبابيك ودعم محبي المهرجان. كما قدم القرواشي شكره لمن ساندوا الهيئة ماديًا ومعنويًا، معتبرًا المهرجان متنفسًا لأهالي تستور خلال الصيف.
هذه التجربة تتجاوز قصة مهرجان واحد. فهي تكشف أن بعض المسؤولين الجهويين يجدون أنفسهم أمام خيار صعب: إلغاء دورة لها قيمة رمزية للمدينة، أو البحث عن حلول بديلة تسمح باستمرارها ببرنامج أصغر وإمكانات أقل. وفي هذه الحالة، لم يكن «النجاح» يعني تقديم أكبر عدد من العروض، بل المحافظة على استمرار التظاهرة.
محمد بوبكر: مهرجان في منطقة تفتقر إلى مسرح
في قبلي، واجه مدير الدورة الثامنة عشرة لمهرجان قبلي الدولي محمد بوبكر مشكلة مختلفة. فالمهرجان الذي انتظم من 30 جويلية إلى 7 أوت حاول تقديم برنامج متنوع رغم ضعف الميزانية، لكن الجهة تفتقر أيضًا إلى مسرح للهواء الطلق، وهي بنية أساسية لمهرجان صيفي بهذا الحجم.
وتكشف تجربة قبلي أن الحديث عن «تنظيم مهرجان» لا يمكن فصله عن البنية التحتية الثقافية. فالهيئة المنظمة لا تختار الفنانين فقط، وإنما عليها أن تبحث عن فضاء مناسب، وتتكيف مع إمكانياته، وتوفر شروط الصوت والإضاءة والسلامة والاستقبال، ثم تقنع الجمهور بأن الانتقال إلى فضاء غير مثالي لا يقلل من قيمة الموعد الثقافي.
وفي مثل هذه الجهات، يصبح مدير المهرجان عمليًا حلقة وصل بين الفنانين والجمهور والسلطات المحلية والمندوبية الجهوية للشؤون الثقافية والمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات وغيرها من المتدخلين.
بديع شعبان: التنويع في ظل التمويل المحدود
في الجم، يقدم مهرجان موسيقى العالم مثالًا آخر على البحث عن معادلة فنية في ظل موارد محدودة. فقد قال مدير المهرجان بديع شعبان إن الدورة الثامنة، التي امتدت من 18 إلى 31 أوت، راهنت على التنويع بين التجارب التونسية والعروض الطربية والعالمية، مع الحفاظ على أسعار تذاكر في المتناول بالنسبة إلى أغلب العروض.
وتكتسب تجربة الجم خصوصيتها أيضًا من المكان: فضاء تاريخي لا يقدم مجرد مسرح، وإنما يفرض شروطًا تقنية وتنظيمية خاصة. لذلك فإن نجاح التظاهرة يقاس هنا بالقدرة على التوفيق بين خصوصية المكان ومتطلبات العرض الحديث، وبين استقطاب الجمهور والحفاظ على هوية المهرجان.

التنظيم: مهرجان كامل خلف كل سهرة
تكشف هذه النماذج أن البرنامج المنشور للجمهور لا يمثل سوى الجزء الظاهر من العمل. خلف كل سهرة هناك تنسيق بين أطراف عديدة: الهيئة المنظمة، الفنان أو وكيله، التقنيون، أعوان الدخول والمراقبة، المصالح البلدية، الأمن، الحماية المدنية، النقل، النظافة، ومصالح الثقافة.
وتظهر جلسات التحضير للمهرجانات الجهوية أهمية هذا التنسيق بوضوح. ففي سوسة مثلًا ناقشت السلطات المحلية استعدادات مهرجان أوسو من الجوانب التنظيمية واللوجستية والأمنية، بحضور ممثلي الإدارات الجهوية والبلديات والأمن والحرس والحماية المدنية وهيئة المهرجان.
وفي المنستير، شملت التحضيرات للموسم الصيفي الملفات الإدارية والمالية واللوجستية، مع التأكيد على تنسيق الرزنامة الجهوية وتوفير شروط السلامة والاستقبال.
هذه التفاصيل لا تظهر عادة في صور الحفلات، لكنها هي التي تحدد في جانب كبير منها ما إذا كان الجمهور سيغادر المكان بانطباع إيجابي أو سيحتفظ بملاحظات حول الاكتظاظ أو الدخول أو الصوت أو النقل أو ظروف الاستقبال.
الفنانون: علاقة تقوم على الثقة قبل العقود
تقدم تجربة بنزرت، كما رواها لطفي الصفاقسي، ملاحظة مهمة حول العلاقة بين الهيئات المنظمة والفنانين ومديري أعمالهم. فالثقة التي منحتها بعض الأطراف للهيئة، رغم صعوباتها المالية، ساعدتها على الاستمرار في إعداد الدورة.

أما تستور، فقد لجأت إلى تقليص عدد العروض بدل إلغاء الدورة كليًا، بما يعني أن العلاقة مع الفنانين تصبح في بعض الأحيان جزءًا من عملية التفاوض على حجم المهرجان نفسه. وفي المقابل، فإن المهرجانات التي تمتلك موارد أكبر تستطيع توسيع اختياراتها والتعاقد مع أسماء عربية ودولية.
وهنا تظهر إحدى أهم مشكلات المهرجانات الجهوية: الرغبة في تقديم أسماء قادرة على جذب الجمهور، مقابل ضرورة التحكم في الكلفة. ولذلك يصبح اختيار الفنان قرارًا فنيًا وماليًا وجماهيريًا في الوقت نفسه.
الجمهور: معيار النجاح الأكثر وضوحًا
يبقى الجمهور، في نهاية المطاف، الاختبار اليومي لهذه الجهود. لكن الحضور لا ينبغي أن يكون المعيار الوحيد. فالمهرجان الناجح هو الذي يستطيع أن يجمع بين حضور جماهيري جيد، وبرمجة لها معنى، وأسعار قابلة للتحمل، وظروف استقبال مناسبة.
وقد أظهرت صائفة 2026 تفاوتًا واضحًا بين المهرجانات بحسب طبيعة المدن والفضاءات والبرامج. بعض السهرات امتلأت بالمتفرجين، فيما واجهت تظاهرات أخرى صعوبات في استقطاب الجمهور أو في توفير فضاءات مناسبة. ولا تتوفر، في المصادر المنشورة التي أمكن الوصول إليها، حصيلة موحدة تسمح بمقارنة أعداد الجمهور في مختلف المهرجانات الجهوية مقارنة دقيقة، لذلك لا يصح اختزال نجاح الموسم في أرقام غير متاحة.
وجوه تستحق أن تُرى

قد يكون أهم ما تكشفه صائفة 2026 أن الحياة الثقافية لا يصنعها النجوم وحدهم. فلطفي الصفاقسي، وفخر الدين القرواشي، ومحمد بوبكر، وبديع شعبان وهم عينة من عشرات المسؤولين وأعضاء الهيئات المديرة، يمثلون نماذج مختلفة لعمل يتم غالبًا بعيدًا عن الضوء وبكثير من التطوّع والتفاني.
منهم من واجه نقص التمويل، ومنهم من عمل في فضاء يفتقر إلى التجهيزات، ومنهم من اضطر إلى تقليص برنامجه، ومنهم من تحمل إدارة مهرجان كبير متعدد الفضاءات والمتدخلين. وبين هذه الحالات جميعًا، يظل العامل المشترك هو محاولة تحويل الإمكانات المتاحة إلى موعد ثقافي قابل للحياة.
إنصاف هؤلاء لا يعني منحهم شهادة نجاح مطلقة، ولا تجاهل النقائص التي رافقت بعض التظاهرات. بل يعني الاعتراف بأن تقييم المهرجانات يجب أن يشمل أيضًا الأشخاص الذين يديرونها، والظروف التي يعملون فيها، والوسائل المتاحة لهم، والنتائج التي يحققونها بها.
فوراء كل ركح مضاء، هناك فريق يعمل في الظل. ووراء كل جمهور يصفق، هناك عشرات التفاصيل التي كان يمكن أن تفشل لولا أشخاص قرروا أن يحملوا المهرجان على أكتافهم، حتى عندما كانت الإمكانات محدودة والضغوط كثيرة.


