الرئيسيةأخبار«بعيونهن».. سينما نسائية عربية تصنع الأمل وتضيء العتمة.

«بعيونهن».. سينما نسائية عربية تصنع الأمل وتضيء العتمة.

منية كواش، صحفية مستقلة.

تحت شعار «فيه أمل»، تنطلق من 3 إلى 7 أكتوبر 2026 فعاليات الدورة السابعة من المهرجان الدولي لفيلم المرأة «بعيونهن»، الذي تنظمه الجامعة التونسية لنوادي السينما بإشراف مديرته الفنية منال السويسي، ليواصل في نابل والحمامات مسارا بدأ منذ سنة 2017، واضعا السينما التي تصنعها النساء وقضاياها في صدارة اهتماماته.

ويحاول المهرجان، من خلال برمجته الجديدة، أن يجعل من الصورة السينمائية مساحة لصناعة الأمل ومقاومة العتمة، ليس فقط عبر عرض الأفلام والاحتفاء بالمخرجات، وإنما أيضا من خلال التكوين وتطوير المشاريع وفتح النقاش حول التحولات التي يشهدها القطاع السينمائي وعلاقة الإبداع النسائي بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

19 فيلما من تسع دول عربية

وتضم المسابقة الرسمية للدورة السابعة 19 فيلما قصيرا لمخرجات من تسع دول عربية هي تونس والجزائر والمغرب وليبيا وفلسطين ومصر ولبنان وسوريا والأردن، تتنافس على الجائزة الكبرى لأفضل فيلم، إلى جانب جائزة الفيلم الذي يقدم نظرة غير نمطية عن المرأة.

وتترأس لجنة التحكيم هذه السنة المخرج المصري يسري نصر الله، وتضم الممثلة التونسية سهير بن عمارة والممثل التونسي غانم الزرلي، إلى جانب المخرجة المغربية خولة أسباب بن عمر والمخرجة الليبية جيهان الكيخيا. كما يحضر المهرجان عدد من السينمائيات والسينمائيين العرب، في لقاءات تجمع بين العرض والنقاش والتبادل المهني.

وتشارك تونس في المسابقة الرسمية بثلاثة أفلام هي الوثائقي «الطماطم الملعونة» لمروى طيبة، و«سالوبات» لفريال بوبكر، و«إيفيمار» لسارة بن عمار، لتؤكد المشاركة التونسية حضورها في تظاهرة تتجه إلى تكريس مساحة عربية مستقلة للسينمائيات.

«غزاويات».. السينما تحفظ الذاكرة

وتحضر فلسطين بقوة في الدورة السابعة من خلال قسم خارج المسابقة بعنوان «غزاويات»، يضم أربعة أفلام وثائقية صنعتها سينمائيات من غزة، وتقدم من خلال الكاميرا تفاصيل من حياتهن اليومية وما عشنه من خوف وألم وفقد، إلى جانب تمسكهن بالحياة والأمل.

ويواصل هذا القسم تقليدا بدأته دورات سابقة في إيلاء السينما الفلسطينية مساحة خاصة. فقد خصصت الدورة الخامسة، سنة 2024، قسما بعنوان «فلسطين بعيونهن» تضمن أفلاما لمخرجات فلسطينيات وتكريما للسينمائية خديجة حباشنة أبو علي.

وفي السياق نفسه، اختار المهرجان افتتاح دورته السابعة بالفيلم الروائي الطويل «أعجوبة الحياة» للمخرجة الفلسطينية صابرين خوري، في تحية للسينما الفلسطينية ولقدرتها على تحويل التجربة الشخصية إلى شهادة إنسانية.

الذكاء الاصطناعي.. هل يعيد إنتاج الصورة النمطية؟

وتحتل الحوارات الإبداعية موقعا مهما في برنامج الدورة، من خلال جلسات تديرها الصحفية والمخرجة شادية خذير، بمشاركة نهى يونس، المستشارة الاستراتيجية في الحوكمة والتحول الرقمي، ومنير السعيداني، أستاذ علم الاجتماع بجامعة تونس المنار.

وتطرح هذه الحوارات أسئلة تتصل بمستقبل السينما في عصر الذكاء الاصطناعي، وبالتحولات التي يمكن أن تفرضها هذه التكنولوجيا على العملية الإبداعية، فضلا عن سؤال أكثر ارتباطا بهوية المهرجان: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعيد إنتاج الصور النمطية المتداولة عن المرأة، أم يتيح إمكانات جديدة لإعادة صياغة حضورها وتمثيلها على الشاشة؟

ولا يأتي هذا النقاش من فراغ، إذ سبق للدورة الخامسة أن خصصت جلسة للذكاء الاصطناعي والإبداع السينمائي، ناقشت توقعات هذه التكنولوجيا ودوافع استخدامها والمخاوف المرتبطة بتأثيرها في العملية الإبداعية.

«بيتشينغ».. من الفكرة إلى المشروع

وتضيف الدورة السابعة لأول مرة ورشة دولية للـ«بيتشينغ»، تتحول خلالها الأفكار والمشاريع السينمائية إلى مادة قابلة للتقديم والترويج، تحت إشراف المخرج التونسي إبراهيم اللطيف.

وتجمع الورشة مخرجات وصاحبات مشاريع من عدد من البلدان العربية، وترافقهن في مراحل تطوير أعمالهن، من بلورة الفكرة والبناء الدرامي إلى إعداد مشروع أكثر نضجا وقابلية للعرض على المنتجين والمهنيين.

وتتصل هذه الورشة مباشرة بفلسفة المهرجان التي تطورت عبر السنوات، فلم يعد الهدف مجرد عرض الأفلام التي أنجزتها النساء، وإنما مساعدتهن أيضا على الوصول إلى مرحلة الإنتاج وعلى بناء علاقات مهنية تتيح لمشاريعهن فرصا أوسع للظهور.

«دقيقة ضوء».. الشباب يدخلون عالم السينما

ويفتح «بعيونهن» أيضا نافذة أمام الشباب من خلال ورشة «دقيقة ضوء»، التي تقوم على إنجاز فيلم لا تتجاوز مدته دقيقة واحدة باستخدام الهاتف الذكي.

وتمنح التجربة المشاركين فرصة لخوض مراحل التصوير والإخراج والمونتاج، وتحويل الهاتف، باعتباره وسيلة يومية للتواصل والتعبير، إلى أداة لصناعة صورة سينمائية قصيرة. وهي تجربة سبق للمهرجان أن اعتمدها في دوراته السابقة، في إطار اهتمام الجامعة التونسية لنوادي السينما بنشر الثقافة السينمائية وتوسيع المشاركة في صناعة الصورة.

إقامة فنية لمرافقة 12 مخرجة

وتحافظ الإقامة الفنية على موقعها كأحد الأركان الأساسية للمهرجان، وتشرف عليها كاتبة السيناريو سامية عمامي، بمشاركة 12 مخرجة مبتدئة من بلدان عربية مختلفة.

وتركز الإقامة على الاشتغال على النصوص وتطويرها، من خلال تعميق الشخصيات والبناء الدرامي والمعالجة السينمائية، وصولا إلى تحويل الأفكار الأولية إلى مشاريع أفلام قصيرة أكثر نضجا وقابلية للإنجاز. وكانت الإقامات الفنية إحدى العلامات المميزة للمهرجان منذ دوراته الأولى، إذ سبق أن استضافت تجارب تكوين وإقامة بإشراف سينمائيين من تونس والعالم العربي.

هيني سرور.. تكريم مسيرة رائدة

ويكرم المهرجان في دورته السابعة السينمائية اللبنانية هيني سرور، التي تحضر للحديث عن تجربتها والتعريف بأعمالها، باعتبارها أول مخرجة عربية يشارك فيلم لها في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي، وفق ما أعلنته إدارة المهرجان.

ويأتي هذا التكريم ضمن تقليد دأب «بعيونهن» على ترسيخه، يتمثل في استعادة تجارب نسائية مؤثرة في تاريخ السينما، وربط الأجيال الجديدة من السينمائيات بذاكرة نسائية سينمائية عربية لم تحظ دائما بالحضور الذي تستحقه.

سبع دورات.. هوية تتسع

ومنذ ولادته في أكتوبر 2017 بمبادرة من الجامعة التونسية لنوادي السينما وتحت اشراف مديرته الفنية منال السويسي التي احتضنته كمشروع العمر وأضفت عليه الكثير من نفسها، اختار «بعيونهن» أن يكون مهرجانا متخصصا في سينما المرأة، وأن يجعل من نابل والحمامات فضاء لعرض الأفلام واللقاءات والتكوين، بعيدا عن التركيز المعتاد للتظاهرات السينمائية الكبرى في العاصمة. وقد شهدت الدورة الثالثة سنة 2019، مثلا، برمجة أفلام ولقاءات وإقامة فنية مخصصة لكتابة السيناريو، فيما واصلت الدورات اللاحقة توسيع دائرة الضيفات والبرامج والتجارب التكوينية.

الدكتورة منال السويسي المديرة الفنية ومؤسسة “بعيونهن”

ومنذ تأسيس «بعيونهن» لم يقتصر المشروع على تنظيم مسابقة سينمائية، بل اتجه تدريجيا إلى بناء فضاء متكامل للعرض والتكوين والمرافقة والتشبيك. فقد جعلت الدورات السابقة من الورشات والإقامات الفنية جزءا ثابتا من هوية المهرجان، بهدف مساعدة المخرجات الشابات على تطوير أفكارهن والانتقال بها من مرحلة الكتابة إلى مشاريع قابلة للإنجاز.

وفي دوراته الأولى، ركز المهرجان على تقديم أفلام تصنعها النساء، وفتح المجال أمام المخرجات للتعريف بأعمالهن، مع تنظيم لقاءات وورشات حول الصورة والكتابة السينمائية. وفي الدورة الرابعة، التي انتظمت سنة 2022 بعد توقف المهرجان في 2020 و2021 بسبب جائحة كورونا، كان تعزيز الحضور النسوي في السينما العربية واستعادة الملتقى لدوره كفضاء للسينمائيات من أبرز رهاناته.

أما الدورة الخامسة سنة 2024، فقد حملت شعار «نساء احتللن الهامش»، ووسعت اهتمامها بالسينما الفلسطينية وبالأسئلة المتعلقة بحضور النساء في الصناعة السينمائية. كما خصصت إحدى جلساتها للنقاش حول العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والإبداع السينمائي، وهو موضوع سيعود في الدورة السابعة بصيغة أكثر ارتباطا بالنوع الاجتماعي والصورة التي تنتجها التكنولوجيا عن المرأة.

وفي الدورة السادسة سنة 2025، واصل المهرجان انفتاحه على السينما النسائية العربية، إذ ضمت المسابقة الرسمية 15 فيلما من ست دول عربية، إلى جانب ورشة لتطوير مشاريع الأفلام القصيرة شاركت فيها 14 مخرجة من تسع دول. كما حملت الدورة شعارا مهدى إلى فلسطين ونساء غزة، بما يعكس اتساع اهتمام المهرجان من قضايا السينما النسائية إلى توثيق التجارب الإنسانية والسياسية من منظور النساء.

وعلى امتداد هذه السنوات، انتقل المهرجان من التركيز الأساسي على عرض الأفلام التي تنجزها النساء إلى مشروع أوسع يجمع المسابقة والتكوين والإقامة الفنية وتطوير المشاريع والتشبيك والحوار حول قضايا السينما والمجتمع. كما حافظ على اهتمامه بقضايا المرأة وبالأصوات السينمائية التي تأتي من خارج المركز، وهو ما جعل «بعيونهن» يتخذ لنفسه هوية عربية نسائية واضحة داخل المشهد السينمائي التونسي.

في دورته السابعة، يبدو مسار «بعيونهن» أكثر وضوحا: أفلام عربية جديدة، وأصوات فلسطينية، وتكريم لذاكرة سينمائية نسائية، ونقاش حول الذكاء الاصطناعي والنوع الاجتماعي، ومختبرات لتطوير المشاريع، وورشات تفتح المجال أمام جيل جديد من صانعات الأفلام. وبين الشاشة والواقع، يواصل «بعيونهن» البحث عن تلك المساحة التي يمكن فيها للسينما أن ترى المرأة كما ترى نفسها، وأن تجعل من الصورة وسيلة للتعبير وصناعة الأمل.

spot_img

أبرز التصنيفات