يأتي اليوم العالمي لمحو الأمية، الموافق لـ8 سبتمبر من كل سنة، في تونس سنة 2026 في سياق يتجه فيه النقاش من مقاومة الأمية بمعناها التقليدي إلى إعادة تعريف التعلم باعتباره مسارا مستمرا مدى الحياة. وتكشف المعطيات الجديدة استمرار تفاوت مهم بين النساء والرجال، في وقت برزت فيه أشكال جديدة من الأمية مرتبطة بالرقمنة والبيئة والقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية. وكانت هذه المناسبة فرصة لإثارة نقاش حول التعلم مدى الحياة، والأمية الجديدة، والفجوة بين النساء والرجال، والبعد البيئي والرقمي، ومسار مقاومة الأمية في تونس.
التعلم مدى الحياة كان محور الورشة الحوارية التي انتظمت في تونس يوم 8 سبتمبر 2026 بمناسبة اليوم العالمي لمحو الأمية، تحت شعار «إعادة التفكير في محو الأمية في القرن الحادي والعشرين: نحو مجتمعات أكثر شمولًا واستدامة وازدهارًا». وبادَر إلى تنظيم هذه الفعالية صندوق الأمم المتحدة للسكان في تونس، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (موئل الأمم المتحدة)، بالشراكة مع المعهد العربي لحقوق الإنسان، وبمشاركة عدد من المبادرات والمنظمات المختصة.
التعلم مدى الحياة طُرح خلال اللقاء باعتباره توجها يتجاوز المفهوم التقليدي لمحو الأمية القائم على القراءة والكتابة، ليشمل اكتساب المهارات الرقمية والبيئية والوظيفية والقدرة على الوصول إلى المعرفة والخدمات والمشاركة الفاعلة في المجتمع. ودعا ممثلو الأمم المتحدة في تونس إلى إرساء سياسات تجعل التعلم متاحا في مختلف مراحل العمر، باعتباره ركيزة للإدماج والتمكين والصمود، ووسيلة لدعم تنمية أكثر عدالة واستدامة. كما أكد رئيس المعهد العربي لحقوق الإنسان عبد الباسط بن حسن الحاجة إلى تطوير البرامج القائمة وإرساء برامج جديدة للتعلم مدى الحياة وتوفير الإمكانيات للمراكز المختصة.
الأمية الجديدة أصبحت بدورها جزءا من النقاش الراهن. فقد جرى في نشاط 2026 التأكيد على الأمية الرقمية والبيئية، إلى جانب الأمية الوظيفية المرتبطة بالقراءة والكتابة والحساب. وارتبط ذلك بالحاجة إلى تمكين المواطنين من التعامل مع التكنولوجيا، وفهم التغيرات المناخية وحماية الموارد، خصوصا في المناطق الريفية، بما يجعل المعرفة شرطا للمشاركة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
الفجوة بين النساء والرجال تظل من أبرز تحديات محو الأمية في تونس. وتشير المعطيات المقدمة في نشاط 2026، استنادا إلى تعداد السكان والسكنى لسنة 2024، إلى أن نسبة الأمية تبلغ نحو 17 بالمائة، وترتفع لدى النساء إلى 22 بالمائة مقابل 12 بالمائة لدى الرجال. ولذلك ركزت الدعوات الحالية على الحد من الفجوة التعليمية ومواجهة الانقطاع المبكر للفتيات عن الدراسة.
البعد البيئي والرقمي يمثلان أحد التحولات اللافتة في مقاربة 2026. ففي قرقنة، أطلقت منظومة الأمم المتحدة منذ سنتين تجربة توعوية تربط مفهوم محو الأمية بالتغيرات المناخية وتأثيراتها في مصادر رزق السكان، خاصة في المناطق المرتبطة بالصيد والسياحة. كما حذرت الأمم المتحدة من تحول الفضاء الرقمي نفسه إلى مجال جديد للإقصاء عندما تغيب المهارات والمعارف الضرورية.
مسار مقاومة الأمية في تونس يمتد إلى سنوات سابقة، شهدت خلالها المقاربة انتقالا تدريجيا من تعليم القراءة والكتابة إلى مفهوم أوسع هو تعليم الكبار والتعلم مدى الحياة. ففي 2022 طرحت وزارة الشؤون الاجتماعية رؤية جديدة لمحو الأمية تقوم على ربط التعلم بالمهارات المهنية والإدماج في سوق الشغل، مع توجه لتحويل المركز الوطني لتعليم الكبار مستقبلا إلى مركز وطني للتعلم مدى الحياة.
تطوير المناهج والبرامج شكل كذلك جزءا من هذا المسار. ففي 2024 أكدت وزارة الشؤون الاجتماعية أن مفهوم محو الأمية أصبح يشمل مضامين وظيفية مرتبطة بالإنتاج والدورة الاقتصادية، إلى جانب أبعاد ثقافية وحضارية ومفاهيم جديدة مثل الأمية الرقمية واللغوية والتكنولوجية. كما أعلنت عن تجهيز خمسة مراكز نموذجية جديدة وتحديث الوسائل والمناهج.
الخلفية الاجتماعية لمقاومة الأمية تكشف بدورها أن الظاهرة لم تكن موزعة بالتساوي. ففي معطيات عرضتها وزارة الشؤون الاجتماعية سنة 2024، تراجعت نسبة الأمية من 19.1 بالمائة سنة 2014 إلى 17.7 بالمائة سنة 2019، لكن نسبة الأمية لدى النساء بلغت آنذاك 25 بالمائة، وكانت أعلى بكثير في الوسط الريفي. كما سجلت الوزارة في السنة الدراسية نفسها نحو 27 ألف دارس، مع 965 مركزا للتربية الاجتماعية، وأعلنت عن تصور لتحديث المناهج وتوظيف الهاتف والحاسوب والمحتوى الرقمي.
مقاومة الأمية تبدو اليوم، في ضوء هذه المسيرة، أمام مرحلة مختلفة: فالتحدي لم يعد فقط تمكين من لم يتعلم القراءة والكتابة من أدوات المعرفة الأساسية، وإنما ضمان قدرة مختلف الفئات على مواصلة التعلم، واكتساب المهارات الرقمية والبيئية والمهنية، والاندماج في المجتمع والاقتصاد. وبذلك يتحول اليوم العالمي لمحو الأمية من مناسبة لتعداد نسب الأمية إلى فرصة لإعادة التفكير في الحق في المعرفة باعتباره مسارا مستمرا ومفتوحا للجميع.
(ملاحظة : تم اعتماد الذكاء الإصطناعي لجمع مادة الموضوع)

