الرئيسيةأخبارالسياسات الوطنية في الحماية الاجتماعية ومكافحة الفقر والقضاء على العنف ضد المرأة

السياسات الوطنية في الحماية الاجتماعية ومكافحة الفقر والقضاء على العنف ضد المرأة

تتوزع السياسة الاجتماعية الموجهة إلى النساء في تونس بين تدخلات الحماية الاجتماعية ومكافحة الفقر والإدماج الاقتصادي من جهة، وبرامج الوقاية من العنف ضد المرأة والتكفل بضحاياه من جهة أخرى، مع تداخل متزايد بين المجالين. وتبرز في هذا السياق أهمية التعاون بين وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، فضلا عن دور المجتمع المدني وشركاء التعاون الدولي.

وتتناول هذه الحوصلة تطور منظومة الحماية الاجتماعية ومكافحة الفقر، وعلاقة الهشاشة الاقتصادية بالعنف ضد المرأة، وبرامج التمكين الاقتصادي، ومنظومة الإيواء والتكفل والوقاية، ثم الإطار القانوني والمؤسساتي وآليات التنسيق بين مختلف المتدخلين، وصولا إلى قراءة في الحوار القطاعي حول هذه السياسات وآفاق تطورها.

الحماية الاجتماعية ومكافحة الفقر: مدخل أساسي إلى السياسة الاجتماعية

لا تقتصر الحماية الاجتماعية على المساعدات المالية المباشرة، وإنما تشمل جملة من الآليات الرامية إلى حماية الفئات الهشة من مخاطر الفقر والإقصاء، وضمان النفاذ إلى الخدمات الأساسية وتعزيز قدرتها على الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

وقد اتجهت السياسة الاجتماعية في تونس إلى اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد للفقر، تجمع بين شبكة الأمان الاجتماعي والدعم المالي والتغطية الصحية ومساعدة الفئات محدودة الدخل، مع تطوير قواعد البيانات المتعلقة بالأسر الفقيرة ومحدودة الدخل وربط مختلف البرامج الاجتماعية بصورة أكثر انتظاما.

وفي هذا الإطار، يكتسي التعاون بين وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الأسرة والمرأة أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالنساء اللاتي تتقاطع أوضاعهن الاقتصادية والاجتماعية مع مسؤوليات أسرية أو مع مخاطر العنف والإقصاء. فالهشاشة لا تنتج عن عامل واحد، وإنما قد تتراكم فيها البطالة وضعف الدخل والعيش في المناطق الداخلية أو الريفية وتحمل أعباء الأسرة والانقطاع عن التعليم أو صعوبة النفاذ إلى الخدمات.

وتؤكد التوجهات الحديثة لوزارة الأسرة أن الإدماج الاجتماعي والتمكين الاقتصادي أصبحا جزءا من السياسة الموجهة إلى النساء، إلى جانب مكافحة العنف والتمييز. ويظهر ذلك بوضوح في المحاور الاستراتيجية لمهمة الأسرة لسنة 2025، التي تجمع بين القضاء على العنف والتمييز، وتعزيز التمكين الاقتصادي للمرأة والأسرة، والإدماج والتمكين الاجتماعي.

من مكافحة الفقر إلى التمكين الاقتصادي للمرأة

يمثل التمكين الاقتصادي أحد أبرز التحولات في مقاربة الدولة لأوضاع النساء في الهشاشة. فالمساعدة الاجتماعية توفر حماية في مواجهة الحاجة، لكنها لا تعالج دائما أسباب التبعية الاقتصادية التي قد تحد من قدرة المرأة على اتخاذ قرارات مستقلة بشأن حياتها.

ولهذا تتجه البرامج الموجهة إلى النساء إلى إحداث موارد رزق ومشاريع صغرى وربط المنتفعات ببرامج التمويل والمرافقة والتكوين. وتشمل هذه المنظومة البرنامج الوطني لريادة الأعمال النسائية والاستثمار «رائدات»، وبرامج التمكين الاقتصادي للأسر ذات الوضعيات الخاصة، والنساء والفتيات في المناطق الريفية، وأمهات التلاميذ المهددين بالانقطاع عن الدراسة.

ويكشف هذا التوجه عن تحول مهم في مفهوم الحماية الاجتماعية نفسه: فتمكين المرأة من مورد رزق يمكن أن يؤدي وظيفة وقائية، لأنه يقلل من التبعية الاقتصادية ويزيد قدرتها على مواجهة الأزمات، كما يمكن أن تكون له آثار تتجاوز المرأة إلى الأسرة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالأمهات المعيلات أو الأسر محدودة الدخل.

وتندرج في هذا السياق أيضا برامج تستهدف أمهات التلاميذ المهددين بالانقطاع المدرسي. فقد أظهرت معطيات وزارة الأسرة أن البرنامج ساهم، إلى موفى أكتوبر 2024، في حماية 509 أطفال من الانقطاع المدرسي من خلال إحداث 161 مورد رزق لأمهاتهم.

وهنا يلتقي التمكين الاقتصادي للمرأة بالسياسة الاجتماعية والتربوية في آن واحد، إذ يصبح المشروع الاقتصادي وسيلة لحماية الطفل من الانقطاع عن الدراسة، وفي الوقت نفسه أداة لتحسين وضع الأسرة.

«صامدة»: نموذج للتمكين الاقتصادي كأداة لمواجهة العنف

يكتسب التمكين الاقتصادي بعدا أكثر خصوصية عندما يتعلق الأمر بالنساء ضحايا العنف أو المهددات به. فالعنف قد يترافق مع التبعية المالية، وقد تجعل محدودية الموارد المرأة أكثر صعوبة في مغادرة وضعية عنيفة أو إعادة بناء حياتها بعد مغادرة الوسط العنيف.

من هنا جاء برنامج «صامدة» للإدماج الاقتصادي للنساء ضحايا العنف والمهددات به. ويقوم البرنامج على توفير موارد رزق تساعد على الاستقلالية المالية والإدماج في الحياة النشطة والحركة الاقتصادية، ويستهدف النساء ضحايا العنف والمهددات به، مع إمكانية تمويل مشاريع فلاحية وتجارية وخدماتية وصناعية وتكنولوجية ومهن صغرى.

وقد أدرج البرنامج ضمن ميزانية سنة 2025 باعتمادات قدرها مليون دينار تعهدا و800 ألف دينار دفعا. كما تواصل الوزارة برامج أخرى للتمكين الاقتصادي، بما فيها «رائدات» والبرامج الموجهة إلى الأسر ذات الوضعيات الخاصة.

وتشير معطيات رسمية لاحقة إلى أن الدفعة الأولى من موارد الرزق في إطار «صامدة» شملت 93 ناجية من العنف في 17 ولاية باعتمادات تجاوزت مليون دينار، بما يعكس انتقال البرنامج من مرحلة الإعلان إلى التنفيذ الميداني.

وبذلك لم يعد التكفل بالمرأة ضحية العنف منفصلا عن مسألة استقلالها الاقتصادي، بل أصبح هذا الاستقلال أحد عناصر الحماية وإعادة الإدماج.

منظومة الوقاية والإيواء والتكفل بضحايا العنف

يمثل الإيواء والتكفل الاجتماعي والقانوني والصحي مكونا أساسيا في السياسة الوطنية لمناهضة العنف ضد المرأة. وتقوم هذه المنظومة على توفير فضاءات آمنة للنساء ضحايا العنف والأطفال المرافقين لهن، إلى جانب الإصغاء والتوجيه والمرافقة.

وقد تطورت هذه المنظومة تدريجيا من عدد محدود من مراكز الإيواء إلى توسيع التغطية الجهوية. وكانت معطيات 2023 تشير إلى استفادة 305 نساء ضحايا العنف و317 طفلا مرافقا لهن من خدمات الإيواء، فيما تضمنت برمجة 2024 مواصلة توسيع شبكة مراكز الإيواء.

كما تضمنت البرمجة الحكومية لسنة 2024 هدف بلوغ 20 مركز إيواء، مع توقع ارتفاع عدد المستفيدات إلى 1140 امرأة وفتاة، إلى جانب تطوير خدمات الإصغاء والتوجيه.

ولا تقتصر وظيفة هذه المراكز على توفير مكان للإقامة، بل تتجه السياسة الحديثة إلى جعلها جزءا من مسار متكامل للتعهد وإعادة الإدماج. وتبرز في هذا المسار الرعاية النفسية والاجتماعية والمرافقة القانونية، فضلا عن مساعدة المرأة على استعادة استقلالها الاقتصادي والعودة إلى الدورة الاقتصادية. وتؤكد وثيقة مهمة الأسرة لسنة 2025 هذا الاتجاه من خلال الربط بين تحسين خدمات التعهد وإتاحة فرص بعث موارد الرزق أو الاستثمار وإعادة الاندماج.

الإطار القانوني والمؤسساتي

تستند مكافحة العنف ضد المرأة إلى منظومة قانونية ومؤسساتية تطورت خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما مع القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة وما ترتب عنه من آليات للتكفل والحماية والتنسيق بين مختلف المتدخلين.

كما اتخذت الدولة إجراءات قطاعية لتسهيل وصول الضحايا إلى الخدمات، من بينها التنسيق بين وزارة الأسرة ووزارة العدل لتيسير المساعدة القانونية، والتنسيق مع وزارة الصحة بخصوص تمكين المرأة ضحية العنف من شهادة طبية أولية مجانية في آجال محددة.

وتكتسي هذه الإجراءات أهمية لأنها تنقل مكافحة العنف من مستوى التجريم القانوني إلى مستوى ضمان قدرة الضحية على استعمال الآليات القانونية والصحية والاجتماعية المتاحة لها.

وفي الجانب المؤسساتي، يمثل المرصد الوطني لمناهضة العنف ضد المرأة إحدى آليات المتابعة والرصد وإنتاج المعطيات المتعلقة بالظاهرة، بينما يوفر الخط الأخضر 1899 قناة للإصغاء والتوجيه للنساء ضحايا العنف.

الحوار القطاعي: ربط الحماية الاجتماعية بمكافحة العنف

في هذا الإطار انعقد يوم 5 أفريل 2023 بتونس الاجتماع الثاني للحوار القطاعي حول «السياسات الوطنية في مجالي الحماية الاجتماعية ومكافحة الفقر والقضاء على العنف ضد المرأة: تقدم التنفيذ وآفاق التعاون». وجمع الاجتماع ممثلين عن وزارتي الشؤون الاجتماعية والأسرة والمرأة، والاتحاد الأوروبي، ووزارة الاقتصاد والتخطيط، إلى جانب عدد من المتدخلين والخبراء والمنظمات الوطنية.

وكان الحوار مرتبطا ببرنامج دعم الإدماج الاجتماعي PAIS للفترة 2020-2026، الذي يهدف إلى دعم السياسات العمومية في مجال الإدماج الاجتماعي ومكافحة الفقر وتعزيز المساواة بين النساء والرجال ومناهضة العنف ضد المرأة. وتمثل الاجتماعات الدورية في هذا الإطار آلية لمتابعة تنفيذ السياسات وتحديد الصعوبات واقتراح الأولويات الإصلاحية.

وخلال الاجتماع، عرضت وزارة الشؤون الاجتماعية مقاربتها متعددة الأبعاد للفقر وشبكة الأمان الاجتماعي، فيما أشارت إلى تنفيذ 300 مشروع في إطار برنامج التمكين الاقتصادي للفئات الفقيرة ومحدودة الدخل خلال سنة 2022 باعتمادات بلغت 5.2 مليون دينار.

وفي المقابل، ركزت وزارة الأسرة والمرأة على ضرورة ألا يظل التصدي للعنف مقتصرا على الإيواء والتكفل بعد وقوع العنف، بل أن يقترن بالتمكين الاقتصادي والوقاية. وفي هذا السياق تم تقديم برنامج «صامدة» وخطوط التمويل الموجهة إلى النساء في وضعيات الهشاشة.

وبذلك شكل الحوار القطاعي محاولة لجمع سياسات كانت تتوزع بين قطاعات مختلفة داخل رؤية أكثر تكاملا، تقوم على الربط بين الحماية الاجتماعية والإدماج الاقتصادي والمساواة ومناهضة العنف.

من الحماية إلى الحماية المقترنة بالإدماج

تكشف التطورات الأخيرة عن اتجاه نحو توسيع مفهوم الحماية الاجتماعية للنساء. فلم تعد الحماية تعني فقط التدخل بعد وقوع الفقر أو العنف، وإنما أصبحت تشمل الوقاية من الهشاشة، وتوفير شروط الاستقلال الاقتصادي، ودعم الأسرة، وحماية الأطفال من الانقطاع المدرسي، وتطوير خدمات الإيواء والإصغاء والتوجيه.

ويعكس برنامج «صامدة» هذا التحول بصورة واضحة، لأنه يضع المرأة ضحية العنف داخل مسار يجمع بين الحماية وإحداث مورد رزق. كما يعكس برنامج تمكين أمهات التلاميذ المهددين بالانقطاع عن الدراسة التوجه نفسه، إذ يجمع بين دعم الأسرة وحماية الطفل وتمكين المرأة اقتصاديا.

وتؤكد وثيقة مهمة الأسرة لسنة 2025 أن التوجه الاستراتيجي يجمع صراحة بين «التمكين الاقتصادي» و«التمكين الاجتماعي» و«مناهضة العنف والتمييز القائم على النوع الاجتماعي».

آفاق السياسة الاجتماعية تجاه المرأة

تتجه السياسة الوطنية، وفق هذه المعطيات، نحو مزيد من الربط بين البرامج الاجتماعية والاقتصادية وبرامج مكافحة العنف. وتظهر هذه المقاربة أيضا في استمرار برامج التمكين الاقتصادي وريادة الأعمال النسائية، وفي توسيع خدمات الإيواء والتكفل، وفي تطوير آليات الرصد والتنسيق.

غير أن فعالية هذه السياسة ترتبط بقدرتها على ضمان التكامل بين مختلف المتدخلين، وعلى توفير المعطيات المنتظمة التي تسمح بقياس نتائج البرامج، وليس فقط عدد المشاريع أو المنتفعات. كما تتطلب متابعة الاستقلال الاقتصادي للنساء بعد الانتفاع بالبرنامج، وقدرتهن على المحافظة على موارد رزق مستدامة، ومدى انعكاس ذلك على قدرتهن على الخروج من دائرة العنف والهشاشة.

وتبقى الحاجة قائمة إلى مواصلة الربط بين السياسات الوطنية في مجال الحماية الاجتماعية والسياسات الخاصة بالمرأة والأسرة، بحيث لا تتم معالجة الفقر والعنف باعتبارهما مشكلتين منفصلتين، وإنما باعتبارهما ظاهرتين قد تتقاطع أسبابهما وآثارهما وتتطلبان تدخلا مشتركا.

تظهر السياسة الاجتماعية الموجهة إلى المرأة في تونس، من خلال البرامج والآليات المعتمدة، انتقالا تدريجيا من منطق الحماية التقليدية إلى مقاربة تجمع بين الحماية والوقاية والتمكين والإدماج. وتلتقي في هذه المقاربة تدخلات وزارة الشؤون الاجتماعية مع برامج وزارة الأسرة والمرأة، خاصة في المجالات التي تتقاطع فيها الهشاشة الاقتصادية مع العنف الأسري والاجتماعي.

ويظل التحدي الأساسي في المرحلة المقبلة هو تحويل هذا التكامل القطاعي إلى منظومة أكثر انسجاما وأكثر تكاملا بين الفاعل الرسمي والإطراف النسوية المعنية في المجتمع المدني، قادرة على الوقاية من الهشاشة قبل تفاقمها، وعلى توفير حماية فعلية للنساء ضحايا العنف، وفي الوقت نفسه مساعدتهن على استعادة الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي.

(ملاحظة : تم إعداد المادة بالإعتماد على الذكاء الإصطناعي)

spot_img

أبرز التصنيفات