الرئيسيةأخبارأيام قرطاج الموسيقية في دورتها الحادية عشرة: فضاء للقاء الموسيقيين والمنتجين...

أيام قرطاج الموسيقية في دورتها الحادية عشرة: فضاء للقاء الموسيقيين والمنتجين والجمهور.

تعود أيام قرطاج الموسيقية إلى موعدها في أكتوبر، من خلال دورتها الحادية عشرة التي تنتظم من 3 إلى 10 أكتوبر 2026، في موعد يبدو متجها أكثر من أي وقت مضى نحو تثبيت التظاهرة كفضاء للقاء الموسيقيين والمنتجين والمبرمجين والمهنيين، وليس فقط كمحطة لعرض الأعمال والتنافس على الجوائز. ويأتي هذا التحول في سياق مسار امتد منذ تأسيس الأيام سنة 2010، وتخللته مراحل مختلفة أعادت خلالها التظاهرة صياغة علاقتها بالموسيقى التونسية والعربية والإفريقية والمشهد الموسيقي العالمي.

الدورة الحادية عشرة: 26 مشروعا من 15 بلدا

وانتظمت صباح يوم الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي الندوة الصّحفية الخاصة بالدورة الحادية عشر من أيام قرطاج الموسيقية بحضور المدير الفني ورئيس لجنة التنظيم السيد منذر فلاح والمديرة العامة للمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية السيدة هند مقراني وعدد من اعضاء الهيئة الهيئة المديرة فضلا عن ممثلي وسائل الإعلام المحلية والدولية.

وجاء الندوة أن لجنة الإنتقاء لدورة 2026 اختارت 26 عرضا، بمشاركة مشاريع من 15 بلدا، وهو رقم يكشف اتساع دائرة الترشح والتنوع الجغرافي للمشاريع التي أصبحت تستقطبها التظاهرة. وتشمل قائمة العروض المختارة مشاريع تونسية ومشتركة، إلى جانب مشاركات من المغرب وفلسطين ومصر والسنغال والتشاد وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وبلجيكا وهولندا والبرازيل وغيرها.

وتتوزع الدورة على عدد من فضاءات مدينة الثقافة، من مسرح الأوبرا ومسرح الجهات ومسرح المبدعين الشبان إلى البهو الرئيسي، فضلا عن شارع الحبيب بورقيبة وقاعتي صوفي القلي وعمر الخليفي. وإلى جانب العروض المختارة، يتضمن البرنامج ثماني حفلات كبرى، فيما يصل العدد الإجمالي للبلدان المشاركة في مختلف مكونات التظاهرة إلى 15 بلدا.

ويمنح البرنامج مساحة لعدد من الأسماء العربية والدولية، من بينها أوم من المغرب، وجدَل من الأردن، وفايا يونان من سوريا، وسيسيليا كرول من إسبانيا، و«Les Dames du Rai» من الجزائر وفرنسا، و«Labess» من الجزائر وكندا، إلى جانب مشاريع وفنانين تونسيين ومشاريع مشتركة مع فنانين من بلدان أخرى.

60 بالمائة من العروض تونسية

ووفق ما أعلن عنه المدير الفني ورئيس لجنة التنظيم منذر فلاح خلال الندوة الصحفية، تمثل المشاريع التونسية نحو 60 بالمائة من العروض المختارة، مع اعتماد توجه نحو التوازن بين النساء والرجال. ويعكس ذلك رغبة في الجمع بين الحضور المحلي والانفتاح الدولي، بما يجعل التظاهرة مجالا لتقديم المشهد الموسيقي التونسي في تعدده، لا مجرد فضاء لاستقبال تجارب أجنبية.

وتؤكد قائمة المشاريع المختارة هذا التنوع، من التجارب الإلكترونية والموسيقى البديلة إلى المشاريع القائمة على التفاعل بين التراث والموسيقى المعاصرة، فضلا عن مشاريع مشتركة مع فنانين من هولندا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا.

من المسابقة إلى ملتقى مهني

لعل أبرز ما يميز الدورة الحادية عشرة هو إعادة تعريف وظيفة الأيام. فالمدير الفني تحدث عن توجه يراد منه أن تصبح التظاهرة «ملتقى متوسطيا» بالمعنى الكامل، بحيث لا تنتهي علاقة الفنان بالمهرجان بمجرد انتهاء العرض أو إعلان الجوائز، بل تتحول إلى شبكة علاقات بين الفنانين والمنتجين والمبرمجين والمؤسسات.

وتتصل هذه الرؤية مباشرة بمسألة استمرارية الفنان، وهي إحدى الإشكاليات الأساسية في الصناعات الموسيقية. فاختيار مشروع فني واعد لا يضمن وحده وصوله إلى الجمهور أو استمراره، ما يجعل اللقاء بالمنتجين ومديري المهرجانات والمهنيين جزءا من المسار الطبيعي لتطوير المشروع وتحويله إلى منتج قادر على التداول خارج فضاء المهرجان.

ومن هذا المنطلق، تتضمن الدورة ستة لقاءات مهنية تتناول قضايا من بينها مهنة مؤلف موسيقى الأفلام، والذكاء الاصطناعي، وعلاقة الموسيقى بالمهرجانات، ومسألة الفنان الناشئ وكيفية إدماجه في البرمجة. وهي محاور تعكس انتقال الاهتمام من المنتج الفني وحده إلى البيئة المهنية والتكنولوجية المحيطة بصناعة الموسيقى.

الذكاء الاصطناعي والصناعات الموسيقية: أسئلة المرحلة الجديدة

لم تعد صناعة الموسيقى منفصلة عن التحولات التكنولوجية المتسارعة. وإذا كانت الدورة الأولى سنة 2010 قد خصصت ندوة دولية للصناعة الموسيقية والتكنولوجيات الحديثة، فإن الدورة الحادية عشرة تعود إلى الموضوع من زاوية أكثر راهنية من خلال إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن اللقاءات المهنية.

وبين المرحلتين مسافة تكشف حجم التحول الذي عرفه القطاع: من التكنولوجيا الرقمية التي بدأت تغير أدوات التسجيل والتأليف والتوزيع، إلى الذكاء الاصطناعي الذي أصبح يطرح أسئلة جديدة حول الإنتاج والحقوق والملكية الإبداعية ومستقبل المهن الموسيقية. ومن هنا يمكن قراءة حضور هذه المسألة في البرنامج باعتباره محاولة لفتح النقاش حول التحولات التي تواجه الموسيقي في الحاضر والمستقبل.

الموسيقى خارج القاعات

ولا تقتصر الدورة على القاعات التقليدية، إذ يحضر شارع الحبيب بورقيبة ضمن فضاءات التظاهرة، في استمرار لتقليد ظهر في دورات سابقة، وخاصة منذ دورة 2015 التي شهدت عروضا للفنون الشعبية والموسيقى في الشارع. كما عرفت الدورة الرابعة سنة 2017 عروضا خارج المسابقة الرسمية وفي فضاءات مختلفة.

وفي الدورة الحالية تتخذ فكرة الوصول إلى جمهور أوسع بعدا اجتماعيا واضحا من خلال أربعة عروض في السجون وعرض واحد في مركز إصلاح تحت شعار «نفس… إيقاع الحرية»، وذلك بين 4 و7 أكتوبر. كما تتضمن البرمجة توجها إدماجيا يراعي الفئات التي تواجه صعوبات في الوصول إلى الجمهور.

التكوين بوصفه استثمارا في المستقبل

ويحضر التكوين بدوره ضمن مكونات الدورة من خلال ورشة تدريبية في موسيقى الجاز تمتد على أسبوع، بمشاركة مختصين من تونس وفرنسا وبالشراكة مع Marseille Jazz Collective. ويتضمن البرنامج جلسات عزف وأنشطة تكوينية ودروسا في «الهارموني» وورشات في الإيقاع.

وهو خيار ينسجم مع التحول التدريجي الذي عرفته أيام قرطاج الموسيقية منذ دوراتها الأولى، حين رافقت العروض ورشات في العزف والتأليف، ثم تطورت لاحقا إلى ماستر كلاس ولقاءات مهنية. وبذلك يصبح المهرجان فضاء للعرض والتعلم في الوقت نفسه، بما يسمح للموسيقيين الشباب بالاحتكاك بخبرات وتجارب مختلفة.

من مهرجان الأغنية إلى أيام قرطاج الموسيقية

لم تولد أيام قرطاج الموسيقية من فراغ، فهي امتداد لمسار أقدم بدأ في ثمانينيات القرن الماضي مع مهرجان الأغنية التونسية، قبل أن يتحول سنة 2005 إلى مهرجان الموسيقى التونسية. وفي ديسمبر 2010 ظهرت التسمية الجديدة «أيام قرطاج الموسيقية»، في دورة تأسيسية امتدت من 18 إلى 25 ديسمبر وشملت 35 عرضا غنائيا وموسيقيا توزعت على خمسة فضاءات بالعاصمة، إلى جانب ندوة دولية حول الصناعة الموسيقية والتكنولوجيات الحديثة وورشات للعزف والتأليف الموسيقي.

لكن هذا المسار عرف انقطاعا بعد الثورة، قبل أن تعود التظاهرة في دورتها الثانية في مارس 2015 برؤية جديدة أكثر انفتاحا على المشاريع الإبداعية المحلية والعربية والإفريقية. وشهدت تلك الدورة أيضا إحداث صالون للصناعات الموسيقية جمع المتدخلين في المهن والخدمات المرتبطة بالموسيقى، بما كشف مبكرا عن رغبة الأيام في تجاوز حدود العرض الفني نحو بناء صلات مع محيط الصناعة الموسيقية.

وفي الدورة الرابعة سنة 2017، واصلت التظاهرة توسيع هذا المسار، إذ ضمت المسابقة الرسمية 12 عرضا موسيقيا، إلى جانب عروض موازية، ومسابقة للطفل المبدع، وعروض في الجهات، و«صالون الصناعات الموسيقية» الذي أتاح لقاء الفنانين والمنتجين ومديري المهرجانات والمهنيين.

محطة للموسيقى البديلة والمشاريع الشابة

ومع تعاقب الدورات، تبلور أحد أبرز أدوار أيام قرطاج الموسيقية في احتضان المشاريع الموسيقية الشابة والتجارب التي تبحث عن أشكال جديدة بعيدا عن القوالب السائدة. وهو توجه برز بوضوح في الدورة الثامنة سنة 2023، التي انتظمت تحت شعار «زيد في الحس» بمشاركة فنانين من 18 دولة، وضمت عروضا وورشات وندوات وصالوناً للمحترفين. ووصفت الوزارة التظاهرة آنذاك بأنها بدأت تؤسس مكانتها الخاصة لدى جمهور الموسيقى، فيما ركزت الهيئة على دعم الموسيقى البديلة وصناعها.

وفي الدورة العاشرة، التي انتظمت من 18 إلى 24 جانفي 2025، اتسع هذا الجانب المهني والشبابي من خلال 18 عرضا شبابيا ضمن قسم «Showcases»، إلى جانب العروض الكبرى وعروض الشارع والورشات واللقاءات مع المهنيين. وأكدت إدارة الدورة آنذاك أن الأيام تتجه إلى دعم المشاريع الموسيقية الشابة وإتاحة فرصة تقديمها أمام الجمهور، مع تعزيز العلاقات بين الموسيقيين التونسيين ونظرائهم في العالم.

نحو فضاء متوسطي للموسيقى

بعد أكثر من عقد ونصف على ظهورها لأول مرة بهذه التسمية، تدخل أيام قرطاج الموسيقية دورتها الحادية عشرة وهي تحمل إرثا تراكميا من المسابقات والعروض والتجارب الشبابية والصالونات المهنية والورشات واللقاءات. فقد بدأت كتطوير لمهرجان الأغنية والموسيقى التونسية، ثم انفتحت تدريجيا على المحيط العربي والإفريقي والدولي، قبل أن تجعل من دعم المشاريع الموسيقية الجديدة أحد أبرز ملامح هويتها.

وتبدو الدورة الجديدة محاولة لدفع هذا المسار خطوة أخرى، عبر تثبيت البعد المتوسطي وتوسيع الحضور المهني وربط الفنانين بالمنتجين والمبرمجين والمؤسسات، مع الحفاظ على حضور الموسيقى التونسية والتجارب الشابة. أيام قرطاج الموسيقية في أكتوبر المقبل ستكون أكثر من موعد للعروض: فضاء لاختبار المشاريع، وبناء العلاقات، ومناقشة تحولات صناعة الموسيقى، والبحث عن سبل استمرار الفنان خارج حدود التظاهرة.

(ملاحظة :تمّ إعداد مادة الموضوع باعتماد الذكاء الاصطناعي)

spot_img

أبرز التصنيفات